بين شهرة الضجيج وقيمة الأثر يُحكى أن صحفيًا سأل الكاتب الكبير عباس العقاد: «من الأشهر.. أنت أم محمود شكوكو؟» فرد العقاد متعجبًا: «ومن شكوكو؟!» انتقل الصحفى إلى شكوكو ونقل إليه كلام العقاد، فقال بثقة: «اذهب إليه وقل له ينزل ميدان التحرير ويقف على رصيف، وأنا أقف على الرصيف المقابل، وسنرى الناس ستلتف حول من أكثر!» وعندما عاد الصحفى إلى العقاد وأخبره برد شكوكو، ابتسم العقاد وقال: «قل له يقف على الرصيف، وليقف على الرصيف الآخر راقصة ترتدى بدلة رقص، ثم لنرَ الناس ستجتمع حول من!» ورغم الطابع الطريف للقصة، إلا أن مغزاها عميق للغاية، خاصة فى زمن أصبحت فيه الشهرة تُقاس بعدد المشاهدات والمتابعين، لا بقيمة الإنسان أو أثره الحقيقى. فليس كل مشهور ناجحًا، وليس كل ناجح مشهورًا.
لقد تغيّرت المعايير فى عصر السوشيال ميديا، وأصبح «التريند» لدى البعض دليلاً على النجاح، حتى وإن كان المحتوى فارغًا أو سلبيًا أو قائمًا على الإثارة فقط. باتت الشهرة تُصنع أحيانًا بالضجيج، وتُشترى بالمال، ويُقاس تأثير الأشخاص بعدد الإعجابات والتعليقات، لا بما يقدمونه من فكر أو علم أو قيمة.
الحقيقة أن قيمة الإنسان لا تُقاس بعدد متابعيه، بل بأثره الإيجابى فى المجتمع، وبما يتركه خلفه من بصمة حقيقية.. فالتاريخ لا يتذكر أصحاب الضجيج المؤقت، بل يخلّد أصحاب الفكر والإنجاز والتأثير النافع. للأسف، أصبح كثيرون يسعون إلى ما يمكن تسميته «الشهرة السلبية» فيقدمون محتوى مستفزًا أو بلا معنى فقط لجذب الانتباه وتحقيق الأرباح.. بعضهم يبث تفاصيل حياته يوميًا، وآخرون يتعمدون إثارة الجدل، ليس لأن لديهم رسالة، بل لأن الجدل أصبح وسيلة سهلة للانتشار.. والمفارقة أن كثيرًا من الناس يروجون لهم دون قصد، بحجة النقد أو السخرية، بينما هم فى الحقيقة يساهمون فى زيادة شهرتهم وانتشارهم. الأخطر من ذلك أن بعض وسائل الإعلام أصبحت تمنح هذه النماذج مساحة واسعة، فتستضيفهم وتسلط الضوء عليهم تحت شعار «مناقشة الظاهرة»، بينما يتم تجاهل أصحاب المواهب الحقيقية والعقول المبدعة التى تستحق الدعم والتقدير.. فالشهرة نوعان: شهرة تأتى نتيجة اجتهاد حقيقى وتميز فى مجال ما، فيتحدث الناس عن صاحبها دون أن يسعى هو وراء الأضواء، وهذه هى الشهرة الراقية التى يصنعها النجاح الحقيقى.. ونوع آخر يسعى إليه صاحبه بأى وسيلة، حتى لو كانت سلبية أو مبتذلة أو بلا قيمة، وهذه شهرة مؤقتة تزول بزوال الضجيج. كما أن الإعلام لم يعد مجرد وسيلة ترفيه أو نقل أخبار، بل أصبح أداة قادرة على تشكيل وعى المجتمع وهدمه أو بنائه.. فعندما تُسلط الأضواء باستمرار على التفاهة والصراعات والمحتوى الهابط، بينما يتم تجاهل النماذج الملهمة والإنجازات الحقيقية، فإن الخسارة لا تكون ثقافية فقط، بل تمتد إلى وعى الأجيال القادمة.
إن أخطر أنواع الفساد ليس فقط سرقة المال، بل سرقة العقول وتشويه الوعى.. فالشباب اليوم بحاجة إلى قدوة حقيقية، بحاجة إلى من يثبت لهم أن النجاح لا يأتى بالصخب، بل بالعلم والعمل والاجتهاد والتأثير النافع.
وفى النهاية، قد يصنع «التريند» شهرة مؤقتة، لكنه لا يصنع قيمة.. أما الأثر الحقيقى، فهو وحده القادر على البقاء، لأن التاريخ لا يحفظ أسماء الأكثر ضجيجًا، بل أسماء من تركوا أثرًا يستحق أن يُروى.









