فيما يبدو أن العالم بدأ يلملم أوراقه استعداداً للرحيل ان لم يكن بالفعل قد بدأ مسيرة المغادرة بل انه قد اقترب من خط النهاية أى نهاية الحياة على سطح كوكب الأرض الذى لايوجد بديل عنه وذلك بفعل ممارسات الانسان ومغامراته وأحلام الهيمنة والتسلط.. وقد حاولت الطبيعة مرات عديدة أن تنبه الانسان بالخطر الذى يحيط به بل أنه أصم أذنيه عن تحذيرات العلماء الذين يقفون على مرصد الأحداث محذرين ومنذرين بأنه يعجل الخطى نحو خط النهاية.. سواء كان ذلك بالعديد من الكوارث الطبيعية كالبراكين والزلازل والفيضانات لاسيما التسونامي «موجات المحيط العالية» وأخيراً ارتفاع موجات الحرارة العالية وحرائق الغابات التى تعد بمثابة صورة من «جهنم » لذلك فأنت بلا عذر أيها الإنسان.. من بين تلك التغيرات غير المسبوقة التى تمر بها الطبيعة هى تلك الظاهرة حيث يشهد البحر المتوسط ارتفاعاً كبيراً فى درجات الحرارة يصل الى حد «الغليان» على نحو أسرع وأكثر تواتراً وشدة عن بقية المناطق الأخرى .. كما أنه لا يواجه فقط ارتفاعاً كبيراً فى درجات الحرارة بل أيضاً انخفاضاً كبيراً فى هطول الأمطار مما يخلق ظروفاً أكثر جفافاً على نحو يؤدى إلى تفاقم «الاحترار» اذ أدت معدلات التبخر العالية الى زيادة ملوحة البحر المتوسط على النحو الذى زاد من احتباسه الحرارى .. ويؤكد العلماء على أن البحر الأبيض المتوسط يعد بمثابة نقطة ساخنة لتغير المناخ فهو يشهد تغيرات مناخية أسرع وبكثافة أكبر عن أجزاء أخرى من العالم ليس فقط من حيث الاحترار اذ صرحت «الادارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي» بأن هناك احتمالاً بنسبة 77 ٪ أن يكون عام 2024 هو العام الأكثر سخونة على الاطلاق.. فى الفترة من يناير الى مارس فى «بحر المرجان» قبالة الساحل الشرقى لإيطاليا كانت درجات الحرارة هى الأعلى منذ 400 عام مما أدى الى تبيض الشعاب المرجانية نتيجة الإجهاد الحرارى الذى تعرضت له وقد تم التبليغ عن حالات «تبيض مرجاني» فى أكثر من 62 دولة حول العالم فى الفترة من يناير 2023 ومايو 2024.. لقد حطم البحر المتوسط الأرقام القياسية فى درجات الحرارة فى أغسطس 2024 حيث بلغ متوسط درجة حرارة السطح اليومية 28.9 درجة مئوية متجاوزاً الرقم فى 24 يوليو 28.7 درجة مئوية.. فى حقيقة الأمر أن هذه المتوسطات لاتروى لنا سوى جزء صغير من القصة إذ أن درجات الحرارة فى المنطقة الواقعة بين «نيس» و«كورسيكا» وخليج «جنوة» كانت أعلى بمقدار 5 درجات مئوية عن درجات الحرارة فى الفترة ما بين عامى 1991 و2020.. ويؤكد العلماء على أن هناك جانبا آخر من القصة لايجب اغفاله ألا وهو الدور الذى تلعبه المحيطات فى التخفيف من حدة آثار الاحتباس الحرارى على الأرض حيث إن أكثر من 90 ٪ من الحرارة المحبوسة فى الغلاف الجوى منذ الثورة الصناعية لولا المحيطات لأدت الى ذوبان الصفائح الجليدية وتصحر التربة وفقدان الغابات وكانت الحياة على الأرض مستحيلة.. بيد أن الضغوط البشرية على الحياة البحرية كالصيد الجائر والتلوث والتنمية الساحلية قد أدت إلى تقويض قدرة المحيطات على الصمود ومن ثم تهديد الحياة على سطح الأرض.. وبالرغم من القلق الذى تثيره موجات البحر القياسية الأخيرة والتى من شأنها أن تؤدى إلى تواتر موجات الاحتباس الحرارى الشديدة أظهرت نماذج المناخ أن التأثير البشرى هو المسئول الأول عن هذا الاحتباس السريع لذلك رد غدرك إلى نحرك أيها الانسان وكما يقول سليمان الحكيم «إن كنت حكيماً فـأنت حكيم لنفسك وان استهزأت فأنت وحدك تتحمل».









