أخيرًا، تم افتتاح المونوريل «خط شرق النيل»، ودخل الخدمة للمواطنين، اعتبارًا من يوم الأربعاء 6 مايو، وكان الرئيس عبد الفتاح السيسى افتتح المشروع «تجريبيا»، صباح يوم عيد الفطر المبارك، وكان مقررا افتتاحه العام الماضى مع افتتاح المتحف المصرى الكبير، وطبقا لتصريحات وزير النقل فان السيد الرئيس طلب ضرورة تدريب فريق عمل من الشباب لإدارة المشروع بدلا من الشركة الفرنسية، وتكوين كوادر فنية من أبنائنا المهندسين، لذا تأجل الافتتاح الى هذا العام.. والمونوريل يربط العاصمة الادارية بمترو الأنفاق، الخط الثالث، ومن المقرر افتتاح مونوريل، خط «غرب النيل» نهاية هذا العام، ليربطها بالخطين الثاني والأول.
لن أتحدث عن أهمية المشروع للمواطن العادى ،خاصة أوقات الذروة، فقد جربنا ذلك مع مترو الانفاق فى الثمانينيات، حين شرعت الدولة فى تأسيس الخط الأول، قامت الدنيا وقتها ولم تقعد، حول تكلفة المشروع وجدواه ومن المستفيد منه؟، فضلا عن خطورته على مبانى العاصمة، التي تقع فوقه بمنطقة “وسط البلد “، حيث المباني التاريخية، وعشرات الندوات، ومؤتمرات سياسية وحزبية، عُقدت للتنديد بالمشروع ، ثم افتتح خط المترو وأعقبه خط ثانى، ثم ثالث، والآن نعرف أن المترو صار عصب الانتقال والمرور فى القاهرة من أقصاها الى أدناها، ومعظم المخاوف التى طرحت قبل المشروع ثبت عدم دقتها.
تعود فكرة انشاء المونوريل إلى مطلع الستينيات، حيث كتب المهندس المعمارى سيد كريم، سنة 1961، مقالًا فى “مجلة المصور” الأسبوعية، وكان أحد كتابها، يدعو فيه إلى إدخال المونوريل إلى العاصمة، وكانت حجته أنه يسير على قضبان فوق أعمدة، ومن ثم لا يحدث ضوضاء ولا زحام في الشوارع، ولا يعوق الحركة، ولا يهدد حياة مواطن، على نحو ما كان يحدث بالنسبة لخطوط الترام، ورأى سيد كريم، أن القاهرة، مُعرضة للاختناق بالزحام، فى ظل ازدياد معدلات السكان بها، والإقبال عليها من المحافظات الأخرى، الذى تضاعف بعد ثورة يوليو 1952، وكانت رؤية مستقبلية، بل طليعية، وقتها كان د.مصطفى خليل وزيرًا للمواصلات وكان مشغولًا بتحويل قطارات السكك الحديدية من العمل بالفحم إلى الديزل.
الأفكار لا تموت، بل تختمر مع الوقت، وصارت فكرة د.سيد كريم مطروحة فى الفضاء العام، تتردد بين المتخصصين والمعنيين، ومضت سنوات وأحداث عاصفة بعد ذلك، حتى تحقق انتصار اكتوبر سنة 1973.

بعد سنة النصر سافر د.عبد القادر حاتم إلى اليابان، كان الرجل -فعليًا -فى حكم رئيس الوزراء، كان الرئيس السادات هو رئيس الحكومة والدينامو الفعلى هو د.حاتم، الذي كانت له علاقات قوية باليابان، كانت مصر بعد الانتصار في وضع قوي، كثيرون يريدون المساعدة، وكانت اليابان ممتنة لمصر أن قيادتها عملت مع المملكة العربية السعودية والملك فيصل تحديدا ودول الخليج على إنهاء حظر تصدير النفط، وكانت اليابان تستورد 80% من نفطها من المنطقة، وهكذا عاد حاتم من اليابان بوعد أن تقوم اليابان ببناء دار الأوبرا بدلًا من الدار التى احترقت سنة 1971، وكذلك استعداد اليابان للمساعدة وبشروط ميسرة، فى بناء المونوريل بالعاصمة، عاد حاتم وبعدها مباشرة أُقيلت الحكومة وجاءت حكومة جديدة، رأت تلك الحكومة أن الاولوية ليست لبناء المونوريل وأن مشكلة المواصلات والزحام، تحل بزيادة عدد الأتوبيسات، لكن ثبت أن ذلك حلًا مؤقتا، على المدى البعيد له مشكلاته، ومع نهاية السبعينيات اشتد الزحام وتكدست الشوارع بالأتوبيسات، وحذر الخبراء أنه خلال سنوات قليلة سوف تكون سرعة السير فى شوارع العاصمة “صفر”، وكان لا بد من حلول جذرية، ومع بناءً العاصمة الادارية، وجب العمل على ربطها مع بقية أحياء ومناطق القاهرة ، وهكذا شرعنا فى بناء المونوريل.
فى كثير من أديباتنا أن بناء مدينة أو ضاحية جديدة لا بد لها من وسيلة مواصلات تربطها بالمدينة الأم، وكان النموذج هو مترو “مصر الجديدة “، الذي أنشأه البارون إمبان، قبل بناء الأحياء السكنية فى ضاحية مصر الجديدة، ونعرف أن مدينة السادس من أكتوبر، حين تأسست، ظلت فترة غير مرغوبة فى السكن نظرًا لبعدها وعدم توفر وسائل المواصلات، ازدحمت المدينة واشتد الإقبال عليها، مع إنشاء الطريق الدائرى وتوسعة طريق المحور والاهتمام به، وهكذا فإن ربط العاصمة الإدارية بالقاهرة بوسيلة سريعة، ميسورة للعموم، هو الحل العملى، والوسيلة الأسرع والاقل تكلفة على المواطن، وحين بدأ العمل به هوجم، بزعم أنه سيكون “للبهوات” أو “عِلْيَة القوم”، لكن مع الافتتاح تبين أنه وسيلة للجميع، وقيمة التذكرة، أقل من 20% من قيمة التاكسى الأبيض، ناهيك عن الأوبر، هى كذلك أقل من سعر الميكروباص في المناطق التي يمر بها.
يقاس تقدم وحداثة المدن بحداثة وسائل الانتقال والمواصلات وحالة الطرق، والذين أُعجبوا بالعاصمة البريطانية لندن أو مدريد أو موسكو، كانوا يتحدثون عن مترو الأنفاق فى كل منها، والطرق الواسعة المرصوفة جيدا، والخدمات المُقدمة للمواطن فى وسائل المواصلات السريعة والآمنة، لذا لم يكن غريبا أن الخديوى إسماعيل وهو يَبْنِىِ القاهرة الحديثة، اهتم بجودة الطرق وإنارة الشوارع، فضلا عن وسائل المواصلات الحديثة، من قَبْلِهِ فعلها جَدُّه محمد على وهو يؤسس الدولة الوطنية الحديثة، اهتم بترابط أطراف مصر بطرق جيدة ومُؤَّمَنة، ثم اهتم الوالى عباس الأول بإدخال السكك الحديدية إلى مصر ، وفى العصر الحديث يُمكن للمرء أن يتبين شعار، يرفعه بعضنا فى مواجهة كل مشروع وأى مشروع..”ليس أولوية “، المهم أن يأكل الناس، وكأننا فى مجاعة تاريخية لا تنتهى.
أوائل القرن العشرين كان الخديوي عباس حلمى الثانى متحمسا لنشر التعليم فى البلاد، وهكذا قرر إنشاء ثلاث مدارس ثانوية فى أنحاء البلاد، دفعة واحدة، وكان وجودها ضروريًا مع تأسيس الجامعة المصرية والمدارس العُليا، وشُنَّت حملة ضارية على الخديوى، بسبب التوسع غير المحسوب فى المدارس، مرة بزعم ان هناك اولويات أخرى يجب الاهتمام بها ومرة بدعوى أنه لا توجد فرص للتوظيف والعمل أمام تلاميذ تلك المدارس، ومرة بمقولة إن المصريين بحاجة إلى الطعام والشراب أولآ وليس الي مدارس، كان مفهومًا ان لورد كرومر وبطانته وراء تلك الحملات، فضلا عن خصوم عباس حلمي نفسه، وكانت جريدة “اللواء” صوت الحزب الوطنى والزعيم مصطفى كامل هى التى انبرت للرد عليهم وتفنيد حججهم.. وهكذا الحال إلى يومنا هذا، مع كل خطوة أو مشروع يتم، صَغُر أو كَبُرَ، يَظهر نفس الشعار “ليس أولوية أو ليس وقته”، وحين شرعت الحكومة سنة ١٩٤٢ فى إنشاء جامعة الاسكندرية، هاج نواب المعارضة فى البرلمان واعتبروا المشروع إهدار للمال العام، فى رأيهم يكفى جامعة فؤاد الاول (القاهرة حاليا)، قالوا: إن طلاب الإسكندرية ليست لهم ميزة خاصة ليقام لهم جامعة بأكملها، لكن المشروع أكتمل وافتتحت الجامعة ونجحت نجاحًا كبيرًا وازداد الإقبال عليها، وتكرر المشهد بحذافيره سنة ١٩٥٠ مع بناءً جامعة عين شمس،كانت الحجة هذه المرة ان القاهرة بها جامعة ولاداعي للتبذير والسفه في الانفاق!!!
لم يقتصر الامر على الجانب التعليمى فقط، بل امتد إلى المشاريع الأكثر حيوية، يكفى بناء السد العالى والهجوم الذى تعرض له، وقيل إنه سيكون سببًا لانهيار كل المدن على النيل بطول البلاد، وأنه سيقود إلى بوار الأرض الزراعية بسبب احتجاز الطمي خلفه، حتى وجدنا دعوة، من البعض، نهاية السبعينيات وبعدها لهدم السد العالى، وتوقفت الحملة حين قام الرئيس الراحل حسني مبارك بتفنيد مزاعمهم فى إحدى دورات افتتاح معرض الكتاب، واليوم مَرَّ (٥٦) عامًا على تشغيل السد ويمكننا القول إن الانتقادات كانت مبنية على انطباعات أو هوى سياسى، ولكنها كانت دون أساس علمى ولا كانت مدروسة.
مفهوم أن لكل حكومة خصوم ومنافسين، ومفهوم أيضا أن يكون هناك اعتراض على مشروع بعينه أو على طريقة تنفيذه أو تكلفته، في مرحلة النقاش حوله ودراسته، أما أن يتم الاعتراض بعد تنفيذ المشروع ودخوله حيز الخدمة العامة، هنا يختلف الأمر، الاعتراض للاعتراض وليس لهدف اجتماعى أو وطنى، وربما يكون الاعتراض محاولة لإثبات الوجود أو على طريقة “نحن هنا”.
أما أن يكون هناك اعتراض على كل مشروع يقام، بغض النظر عن مدى أهميته، نكون بإزاء مشكلة، تحتاج دراسة وتأمل، ويبدو أن هناك من لا يرى للدولة أى دور سوى توفير الطعام والشراب، على طريقة يوم بيوم أو عمال اليومية.. الدولة أكبر وأهم من ذلك بكثير.
مونوريل شرق القاهرة خطوة مهمة، ننتظر استكمال بقية مراحله.








