تتقاطع زيارة الرئيس الروسى فلاديمير بوتين الأخيرة إلى بكين مع لحظة دولية مضطربة، حيث تتشابك أزمات جيوسياسية عنيفة وتتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، مما أكسب القمة الصينية الروسية أهمية تجاوزت البعد الثنائى، بطرحها تساؤلات أوسع حول ملامح النظام الدولى المقبل، وهل تمضى بكين وموسكو نحو تشكيل كتلة موازنة للنفوذ الأمريكى.
مبدئيا لا يمكن فصل هذه الزيارة عند قراءتها تحليليا عن زيارة الأسبوع الماضى التى قام بها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى الصين, فهذه المرة الأولى التى تستضيف فيها بكين قادة القوتين فى شهر واحد خارج إطار متعدد الأطراف، ما يعكس جهود الصين لإدارة علاقاتها مع كلتيهما وترسيخ مكانتها كقوة محورية فى ظل نظام عالمى يتسم بالتفكك المتزايد, كما لا يمكن تغافل أن الصين أيضاً أول دولة تستضيف قادة الدول الأربع الأخرى الأعضاء الدائمين فى مجلس الأمن الدولى فى غضون أشهر قليلة, حيث زار الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون بكين فى ديسمبر الماضى، تبعه رئيس الوزراء البريطانى كير ستارمر فى يناير, ثم ترامب الأسبوع الماضى وها هو بوتين يختتم الرباعية بزيارة لها خصوصيتها على صعيد العلاقة بين البلدين والرئيسين والتى تتجاوز البروتوكول السياسى إلى مستوى شخصى نادر بين قادة العالم، إذ وصف شى نظيره الروسى بأنه «أفضل وأقرب صديق»، كما اعتبر بوتين أن شى «شريك موثوق وصادق», ومنذ عام 2013 جمعتهما لقاءات متكررة تجاوزت 40 اجتماعا تخللتها لقاءات فى طقوس غير رسمية مثل الاحتفال بأعياد الميلاد والطهى المشترك ورحلات القطار والقوارب وكان بوتين قد وصف فى خطاب مصور قبل الزيارة هذه اللقاءات المنتظمة بأنها جزء لا يتجزأ من الجهود المشتركة لإطلاق الإمكانات غير المحدودة للعلاقات الثنائية, التى ينظر إليها الجانبان بوصفها ركيزة للاستقرار العالمى، حيث شدد بوتين على أن التنسيق الإستراتيجى بين موسكو وبكين يؤدى دورا مهما فى الساحة الدولية وهذا التقارب الشخصى ينعكس مباشرة على متانة العلاقات السياسية، خصوصا فى ظل سعى الصين لإدارة توازن دقيق بين موسكو وواشنطن، مع استضافة زعيمى البلدين فى توقيت متقارب، يضع بكين فى موقع محورى ضمن «دينامية ثلاثية» معقدة.
العلاقات الروسية الصينية تقوم على مبادئ حسن الجوار الدائم والتنسيق الإستراتيجى والتعاون متبادل المنفعة، مع تعزيز التعاون فى أطر متعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة ومنظمة شنغهاى وبريكس, و قد بلغت مستوى غير مسبوق، مع التزام مشترك بتعزيز التعاون السياسى والاقتصادى والثقافي, و هذه الشراكة التى تحتفل بمرور 30 عاما على تأسيسها، وراءها أرقام كبيرة تعكس عمق الشراكة، إذ تجاوز حجم التجارة بين البلدين حاجز 200 مليار دولار لثلاث سنوات متتالية، مع نمو ملحوظ فى عام 2026، و هذا الزخم يعكس انتقال التعاون من النمو الكمى إلى التحسن النوعى، بما يعزز التنمية والاستقرار.
النقطة الأهم فى هذه العلاقة فى رأيى أنها تمثل نموذجا جديدا لعلاقات القوى الكبرى وتسهم فى بناء نظام دولى أكثر عدالة فى مواجهة «الأحادية» الدولية فى اتخاذ القرارات بهيمنة أمريكية، مع دعم واضح لفكرة التعددية القطبية وتعزيز دور القوى الناشئة فى صنع القرار الدولي, كما أن تنسيق مواقف الصين وروسيا بشأن بؤر التوتر العالمية والإقليمية، بصفتهما عضوين دائمين فى مجلس الأمن، يمكن أن يلعب دورا محوريا فى تحقيق «الاستقرار العالمى».. لكن رغم كل هذا التقارب، تحرص الخطابات الرسمية فى بكين وموسكو على تأكيد أن العلاقة لا تستهدف الولايات المتحدة بشكل مباشر، غير أن تزامن زيارة بوتين مع تحركات دبلوماسية أمريكية يعكس الواقع التنافسى الإستراتيجى المحتدم, كما أن مضامين التعاون -خصوصا فى المنظمات الدولية والدعوة لنظام عالمى أكثر توازنا- تعكس تقاطعا موضوعيا فى مواجهة الهيمنة الغربية.
الشاهد أن العلاقات الصينية الروسية تجاوزت مرحلة التعاون التقليدى إلى شراكة إستراتيجية عميقة متعددة الأبعاد، تستند إلى تقارب شخصى وسياسى واقتصادى متزايد، و إن بقى توصيفها كـكتلة فى مواجهة الولايات المتحدة محل نقاش, فبينما تدفع مصالح البلدين باتجاه تنسيق أوسع فى مواجهة الضغوط الغربية، يظل الخطاب الرسمى حريصا على نفى الطابع التحالفى الصريح، وهو ما يؤكد أن تنسيق بكين وموسكو لا يهدف إلى تأسيس كتلة تقليدية بقدر ما هو محاولة جادة لإعادة تشكيل توازن قوى عالمى، عبر شراكة مرنة تسعى إلى تكريس عالم متعدد الأقطاب، دون مواجهة مباشرة شاملة مع طرف ثالث.









