- هل الوعي حالة فردية لا يمكن التأثر بها أو التأثير فيها؟
ويمكن طرح السؤال بطريقة مختلفة: هل يمكن أن ينتقل الوعي كعدوى أو فيروس بين الناس؟ في صمت تام ومريب يستقبل العالم عبر سنوات مضت أنواعاً جديدة من الفيروسات تسبب أمراضاً سرعان ما تنتشر بين الناس، ومعها يتغير الحال الفردي والجمعي. وعبر العصور كان العالم حقلاً لتجارب وعي مختلف ومتجدد تتجلى آثاره الإيجابية أو السلبية لاحقاً، فالأفكار وطبيعة الفهم والاستيعاب وما ينتج من سلوك تحددها فيروسات تنقل عدوى وعي معين من فرد لآخر أو لجماعة أو لكثرة من البشر.
منذ جائحة “كورونا” يرتدي السيد رمزي والسيدة زوجته وأولادهما كمامة عند الخروج من البيت لئلا تنتقل إليهم العدوى مما يثار عبر وسائل الإعلام أو وسائل التواصل الاجتماعي من أخبار حول فيروس جديد بدأ في الانتشار! لكن السيد “رمزي” متى جلست إليه في حديث أو تبادلت معه حواراً لا يذكر سيرة الحاضر أو المستقبل، بل يتكلم عن ماض سعيد حيث كانت أخلاق الناس وسلوكياتهم نابعة من إيمان وتقوى لا نظير لها. إنه ينسحب بوعيه من الحاضر والتفكير في المستقبل إلى الماضي أو مرحلة خالية من فيروسات الحاضر أو العصر الحالي وعلى حد تعبيره طيبات الماضي ولا فيروسات الحاضر! المشكلة أن كثرة من الجالسين معه يؤكدون على كلامه، ويتحسرون على ماض خال من الفيروسات المرضية والأخلاقية معاً.
في مصر والعالم العربي، ومع مطلع القرن العشرين ومع بواكير عصر النهضة العربي كانت عدوى المعرفة والتنوير وحب التعلم والاستقلال والتحرير والرغبة في التقدم هي العدوى التي تنتقل من النخب الثقافية إلى الطبقة الوسطى بمستوياتها المختلفة ، وبل وتنتشر في الأرياف والقرى الصغيرة في تطلعها لحياة أفضل. كان هناك وعياً واضحاً بالطريق إلى التطور انعكس في مجريات الأحوال والسلوكيات رغم كل المحن والظروف الصعبة. لكن في عصرنا الرقمي الحالي تنتقل الأفكار التي يغلب عليها التهويل والتخويف والازعاج والخذلان والإستغفال والوقاحة …. الخ.
مما يشكل وعياً أشبه بفيروس يتجاوز حدوده الجغرافية ليصنع وعياً جمعياً مضللاً أحياناً ومستسلماً لظروفه أو ناقماً على حياته أحياناً أخرى. وتظل المحنة أنه ونحن على استعداد لمواجهة مخاطر الفيروسات المرضية لا نلتفت إلى وعي زائف يشكل في نهاية الأمر صورة طبق الأصل من فيروس ينتقل من فرد لآخر ومن جماعة إلى مجتمع.
وهنا نحتاج إلى فهم واضح لمعنى لوعي، إنه ليس معرفة تقرأ أو يتم تناقلها بين الناس عبر مقابلاتهم وجهاً لوجه أو من خلال وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في العالم الافتراضي، بل هو صنيعة أمرين الأول: تفكير نقدي، الثاني: انفتاح فكري. ويبدو أن المسافة النفسية إلى الأمرين تقطعها الأكثرية راكبة ناقة السلامة في صحراء التيه!








