لم تكن مصر مجرد رقعة جغرافية على الخريطة، بل كانت دائما فكرة وحضارة وكيانًا ممتدًا عبر آلاف السنين. وإذا تأملنا التاريخ المصرى القديم والحديث، سنجد أن السر الكامن وراء بقاء هذه الدولة عصية على الانكسار هو «الاصطفاف الوطني». إن الاصطفاف ليس مجرد شعار حماسى يرفع فى المناسبات، بل هو حالة من الوعى الجمعى والالتحام الشعبى الذى يتجاوز الفروق الفردية والفئوية لصالح الأمن القومى والمصلحة العليا للبلاد. فى عالم يموج بالاضطرابات والتحولات الجيوسياسية المتسارعة، يصبح وعى المصريين بأهمية هذا الاصطفاف هو الخط الدفاعى الأول وصمام الأمان لحفظ مقدرات الوطن وصون مستقبله.
الوعى بالاصطفاف الوطنى يعنى إدراك المواطن لحجم التحديات التى تواجه دولته، وفهمه العميق لخطورة التشرذم أو الانسياق وراء الشائعات ومحاولات تفكيك النسيج الاجتماعي. إنه حالة من النضج الفكرى والسياسى تجعل الفرد يضع مصلحة الوطن فوق أى اعتبار آخر، مؤمنًا بأن قوة الدولة من قوة تماسك شعبها، وأن ضعف الجبهة الداخلية هو الثغرة الأولى التى ينفذ منها أى تهديد خارجي. وفهم طبيعة المخاطر المحيطة بالحدود المصرية والضغوط الاقتصادية والسياسية العالمية.
كما أن الإيمان ببناء الوطن وحمايته ليس مسئولية المؤسسات وحدها، بل هو عقد اجتماعى يشمل كل مواطن.
لم تعد الحروب الحديثة تقتصر على المواجهات العسكرية المباشرة على الجبهات، بل انتقلت إلى ساحات أكثر خبثًا وتأثيرًا، وهى وعى الشعوب وعقولها من خلال ما يُعرف بحروب الجيلين الرابع والخامس. تعتمد هذه الحروب بشكل أساسى على بث الشائعات والأكاذيب عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وكذلك تزييف الحقائق وصناعة الإحباط واليأس لدى المواطنين.
وهنا تبرز الأهمية القصوى لوعى المواطن المصري. عندما يمتلك الشعب وعيًا نقديًا وقدرة على فرز المعلومات، يتحول من «مستهدف» إلى «مدافع». إن الاصطفاف الوطنى القائم على الوعى يجهض هذه المخططات فى مهدها، فحينما يرى المتربصون بالجبهة الداخلية كتلة صلبة متلاحمة خلف راية واحدة، تفقد تلك الأدوات التخريبية قيمتها وتأثيرها. ولا يمكن لأى دولة أن تحقق نهضة اقتصادية أو تنمية مستدامة وهى تعيش حالة من الانقسام أو عدم الاستقرار. إن الاستقرار السياسى والاجتماعى هو البيئة الخصبة التى تنمو فيها المشروعات القومية، وتتدفق من خلالها الاستثمارات.
إن الوعى هو البنية التحتية الحقيقية لأى إنجاز، فالمصانع والطرق والمشروعات لا قيمة لها إن لم تحمها عقول واعية تؤمن بقيمتها وتحافظ عليها.
حين يصطف المصريون خلف رؤية تنموية موحدة، فإنهم يتحملون معًا فاتورة الإصلاح الاقتصادى بحس وطنى وصبر، مدفوعين بالأمل فى غد أفضل للأجيال القادمة. هذا الاصطفاف يعطى صانع القرار القوة والجرأة لاتخاذ خطوات إصلاحية وهيكلية جادة، بعيدًا عن المسكنات المؤقتة التى استنزفت موارد الدولة لعقود طويلة. إن ترسيخ هذا الوعى فى نفوس المصريين ليس نتاج الصدفة، بل هو عملية مستدامة تتطلب تضافر جهود العديد من مؤسسات الدولة والمجتمع.
إن الخطاب الدينى المستنير الذى يؤكد على قيم المواطنة، وقبول الآخر، وحب الوطن باعتباره جزءًا من الإيمان، يعد ركيزة أساسية لمنع استغلال الدين فى تفريق الصفوف. ويجب أن ندرك أن الوعى بالاصطفاف الوطنى ليس وجهة نصل إليها ونتوقف، بل هو مسيرة مستمرة ومتجددة تتطلب اليقظة الدائمة. إن التحديات التى تواجه مصر فى عالم اليوم سواء كانت تحديات مائية، أو اقتصادية، أو أمنية على حدودها الملتهبة تفرض على كل مصرى ومصرية أن يكون على قدر المسئولية التاريخية.
إن قوة مصر لم تكن يومًا فى مواردها المادية فقط، بل فى عبقرية هذا الشعب وقدرته العجيبة على التوحد والاصطفاف فى لحظات الخطر. بالوعى نبني، بالوعى نحمي، وبالاصطفاف الوطنى الصادق تظل مصر دائمًا قوية، عزيزة، ومستقرة، وقادرة على صياغة مستقبل مشرق تليق بآلاف السنين من حضارتها العريقة.
وللحديث بقية









