تعد منطقة الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم تعقيدا من الناحية الجيوسياسية، حيث تتشابك فيها النزاعات والصراعات الأهلية، والتداخلات الدولية. وفى خضم هذا المحيط المضطرب، تميزت السياسة الخارجية المصرية بثباتها التاريخى على مبدأ راسخ وهو التمسك بالحلول السلمية والدبلوماسية كسبيل وحيد لتحقيق الاستقرار المستدام. لا تنطلق مصر فى هذا التوجه من رؤية إستراتيجية واعية تؤمن بأن الحروب والحلول العسكرية لا تخلف سوى الدمار وتعميق الأحقاد، وأن السلام البناء هو الضامن الحقيقى للتنمية والازدهار لجميع شعوب المنطقة. وتستند الدبلوماسية المصرية فى تعاملها مع الأزمات الإقليمية إلى جملة من المبادئ القانونية والسياسية المستمدة من ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي. وأبرزها احترام سيادة الدول الوطنية. وترى مصر أن الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية ومنع انهيارها هو الخط الأول للدفاع عن أمن المنطقة. وكذلك رفض التدخلات الأجنبية. وتؤمن القاهرة بأن التدخلات الخارجية غالباً ما تذكى نيران الصراعات وتعقد الحلول، وأن أهل المنطقة هم الأقدر على صياغة مستقبلهم. وتؤمن مصر بالتمسك بالحوار والمفاوضات الشاملة التى لا تستثنى أى طرف وطنى يرغب فى البناء. وكذلك الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع جميع أطراف النزاعات، مما يؤهل مصر للعب دور الوسيط النزيه والمقبول.
وفى جهود السلام المصرية تظل القضية الفلسطينية بالنسبة لمصر هى «قضية القضايا» والوجدان النابض للسياسة الخارجية. وعلى مدار عقود لم تتوقف مصر يوماً عن قيادة الجهود الدبلوماسية لوقف نزيف الدم فى قطاع غزة والضفة الغربية. وتتحرك مصر فى هذا الملف عبر ثلاثة مسارات متوازية. وهى المسار الإنسانى والإغاثى من خلال فتح المعابر وتسهيل تدفق المساعدات الإنسانية والطبية، وإجلاء الجرحي، لضمان صمود الشعب الفلسطيني. وتلعب القاهرة دور الوسيط الرئيسي، بالتعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين، لصياغة هدن وإبرام صفقات لتبادل الأسرى والمحتجزين، حقناً للدماء. وتؤكد مصر فى كل المحافل الدولية أنه لا استقرار فى الشرق الأوسط دون حل عادل وشامل يتضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفقاً لقرارات الشرعية الدولية. ولا تقتصر الجهود المصرية على فلسطين، بل تمتد لتشمل كافة ملفات الجوار الملتهبة، انطلاقاً من مفهوم «الأمن القومى العربى والإفريقى الشامل».
شكلت الأزمة الليبية تهديداً مباشراً للأمن القومى المصري، ومع ذلك، لم تلجأ مصر للحلول العسكرية، بل طرحت «إعلان القاهرة» الذى مثل خارطة طريق سياسية حظيت بدعم دولى واسع. وكان لإعلان مصر عن «خط الجفرة-سرت» كخط أحمر دور حاسم فى حقن الدماء، ودفع الأطراف الليبية نحو طاولة المفاوضات والمسار السياسى ومخرجات لجنة (5+5)، مع التأكيد الدائم على ضرورة خروج كافة القوات الأجنبية والمرتزقة وتوحيد المؤسسات الليبية.
أما السودان فيتم احتواء الأزمة ودعم الأشقاء مع اندلاع النزاع المسلح فى السودان، سارعت مصر للتحرك انطلاقاً من روابط الأخوة والتاريخ المشترك. واستضافت القاهرة مؤتمر «قمة دول جوار السودان» بهدف وضع آليات تنفيذية لتسوية الأزمة سلمياً بالتعاون مع دول الجوار، مع استمرارها فى استقبال مئات الآلاف من الأشقاء السودانيين، وتقديم الدعم الإغاثي، والتشديد على ضرورة الحفاظ على وحدة السودان وتماسك مؤسساته الوطنية.
أما الأزمتان السورية واليمنية تبنت مصر موقفاً مبدئياً يدعم الحلول السياسية القائمة على المرجعيات الدولية والقرارات الأممية مثل القرار 2254 بشأن سوريا. وتدعم مصر كافة الجهود التى تضمن وحدة الأراضى السورية واليمنية، وإنهاء المعاناة الإنسانية لشعوبها، ورفض تحويل هذه الدول إلى ساحات لحروب الوكالة بين القوى الإقليمية والدولية. وتكمن قوة الموقف المصرى فى قدرتها على الجمع بين أدوات القوة الشاملة عسكرياً واقتصادياً وبين الدبلوماسية المرنة. فمصر تمتلك جيشاً قوياً قادراً على حماية مقدراتها، لكنها توظف هذه القوة كأداة ردع لحماية السلام، وليس للاعتداء.
إن استمرار مصر فى إيجاد الحلول السلمية ليس خياراً تكتيكياً مؤقتاً، بل هو عقيدة راسخة فى وجدان الدولة المصرية وثقافتها السياسية.
وتواجه الدبلوماسية المصرية تحديات جمة، أبرزها حالة الاستقطاب الدولى الراهنة.
إضافة إلى تعدد الفاعلين من غير الدول مثل الميليشيات والجماعات المسلحة التى لا تلتزم بالقانون الدولي. وكذلك تفاقم الأزمات الاقتصادية العالمية التى تلقى بظلالها على المنطقة.
وستظل مصر بحكم تاريخها وجغرافيتها، وثقلها البشرى والحضاري، صمام الأمان لمنطقة الشرق الأوسط والقارة الإفريقية. إن إصرار الدولة المصرية على ملاحقة خيوط السلام وسط ركام النزاعات يثبت يوماً بعد يوم أن «صناعة السلام» تحتاج إلى شجاعة وإرادة تفوق ما تحتاجه صناعة الحرب. ومن خلال الاستمرار فى هذا النهج العقلانى المتزن، تؤكد مصر أنها لا تدافع عن أمنها القومى فحسب، بل تبنى جسوراً لمستقبل أفضل تستحقه شعوب المنطقة. هو مستقبل تسوده التنمية ويحكمه القانون، ويظلله السلام.









