السبت, مايو 23, 2026
  • سياسة الخصوصية
  • إتصل بنا – جريدة الجمهورية
  • من نحن – جريدة الجمهورية

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفي

جريدة الجمهورية

رئيس التحرير

أحمد أيوب

  • الرئيسية
  • أخبار مصر
  • ملفات
  • مدارس و جامعات
  • محافظات
  • رياضة
  • برلمان و أحزاب
  • فن و ثقافة
  • حوادث و قضايا
  • المزيد
    • تكنولوجيا
    • عرب و عالم
    • إقتصاد و بنوك
    • الجمهورية معاك
    • منوعات
    • متابعات
    • أجراس الأحد
    • عالم واحد
    • مع الجماهير
    • العـدد الورقـي
    • مقال رئيس التحرير
لا توجد نتائج
كل النتائج
  • الرئيسية
  • أخبار مصر
  • ملفات
  • مدارس و جامعات
  • محافظات
  • رياضة
  • برلمان و أحزاب
  • فن و ثقافة
  • حوادث و قضايا
  • المزيد
    • تكنولوجيا
    • عرب و عالم
    • إقتصاد و بنوك
    • الجمهورية معاك
    • منوعات
    • متابعات
    • أجراس الأحد
    • عالم واحد
    • مع الجماهير
    • العـدد الورقـي
    • مقال رئيس التحرير
لا توجد نتائج
كل النتائج
جريدة الجمهورية
لا توجد نتائج
كل النتائج
الرئيسية ملفات

شيطان الجماعة «16» بناء الصنم.. كيف صنعت الجماعة الإرهابية أسطورة سيد قطب؟

بقلم حسام الغمري
22 مايو، 2026
في ملفات
شيطان الجماعة (3)

حسام الغمري

17
مشاهدات
شارك على فيسبوكواتس اب

كتب المفكر والناقد الفرنسي رولان بارت – (Roland Barthes،   1915–1980  ) أحد أبرز رموز السيميولوجيا وقراءة الأساطير الحديثة في القرن العشرين – أن الأسطورة لا تبدأ دائمًا من اختراع الكذب، بل من أمرٍ أخطر: أن تأخذ إنسانًا حقيقيًا، ثم تنزع عنه تاريخه، وتمحو تناقضاته، وتخفي هشاشته، وتعيد تقديمه للناس كأنه معنىٌ مطلق لا يُسأل ولا يُناقش.

فالأسطورة لا تقول للجمهور: هذا رجل عاش وأخطأ وتحوّل وتناقض وساوم وفاوض وغضب وضعف وخطط وانتقم؛ بل تقول ضمنياً: هذا رمز… والرموز لا تُحاكم بميزان البشر!!

وعلى الضفة الأخرى، رأى عالم الاجتماع والمفكر الفرنسي جوستاف لوبون – (Gustave Le Bon، 1841–193  ) أحد أوائل من فتشوا في أسرار سيكولوجيا الجماهير، وكيف تتحول الحشود إلى كائن نفسي مختلف عن الأفراد – أن الناس لا تُقاد غالبًا بالبراهين الدقيقة، ولا بالمناقشات الهادئة، بل بالصور الكبيرة، والعبارات اللامعة، والأبطال المفارقين، والقصص التي تمنح الغضب لافتةً ، والخوف وجهًا، والهزيمة معنى.

وبين “بارت ولوبون” يمكن أن نفهم واحدًا من أخطر ما فعلته جماعة الإخوان الإرهابية بعد صدامها الكبير مع الدولة في منتصف الستينيات؛ إذ لم تكن بحاجة إلى سيد قطب الكاتب وحده، ولا إلى سيد قطب المنظّر وحده، بل احتاجت إلى سيد قطب آخر؛ سيد قطب الذي يعلو على الكتابة، ويتجاوز السياسة، ويتحوّل من إنسان قابل للنقد إلى صنمٍ رمزي مغلف بالكرامات والحكايات والمشانق والابتسامات الأخيرة !!

فبعد عام 1965، لم تكن الجماعة تعيش أزمة أمنية فقط، بل كانت تعيش مأزقًا نفسيًا عميقًا.

لم تكن ضربة التنظيم في السقوط وحده ، بل في وجدان قواعده: كيف تُفسَّر الهزيمة؟ كيف تُقنع القواعد أن الطريق لم يكن خطأ؟ كيف يتحول الفشل إلى ابتلاء، والانكسار إلى اصطفاء، والمغامرة السياسية إلى محنة ربانية؟

هنا يبدأ بناء الصنم كضرورة وجودية .

فالصنم، في هذه الحالة، لم يكن مجرد تمثال معنوي لشخص رحل تحت مشنقة العدالة ، بل كان طوق نجاة سيكولوجيًا لتنظيم مأزوم يبحث عن معنى وسط ركام هزائمه .  

كان المطلوب ألا يُقال إن التنظيم أخطأ، بل أن يُقال إن “القديس” ابتُلي. ألا تُناقَش الأفكار، بل تُروى الكرامات.

ألا يُحاكم النص القطبي : ماذا فعل بالعقول؟ بل يُسأل المعترض : كيف تجرؤ على الاقتراب من المقام الإخواني المقدس؟

وهكذا، لم يبدأ بناء صنم سيد قطب عند المشنقة، بل بدأ منذ لحظة اختيار أحجاره.

الحجر الأول: اختراع لحظة الوحي الإخواني

لا يكفي لصناعة القديس السياسي أن ينضم رجلٌ إلى جماعة بعد قراءةٍ أو اقتناعٍ أو مراجعةٍ فكرية؛ فالانضمام العقلاني لا يصنع أسطورة، كما أنه يصعب أصلًا البحث عن كثيرٍ من العقلانية داخل رسائل مدرّس الخط حسن البنا.

فالأسطورة لا تُبنى بالحجج، بل بالإشارات ، لا تنشأ من المراجعات الفكرية الهادئة، بل من لحظة كشفٍ مباغتة، وإشارةٍ علوية، ومشهدٍ يبدو وكأنه هبط من الغيب ، لا خرج من حسابات البشر.

ومن هنا جاءت واحدة من أكثر الروايات القطبية إثارة: حكاية سيد قطب في أمريكا.

تقول الرواية المتداولة في الأدبيات القطبية والإخوانية إن سيد قطب كان يرقد في مستشفى أمريكي عام 1949، فلما اغتيل مدرّس الخط حسن البنا رأى مظاهر فرحٍ وزينةٍ تعم المستشفى والشوارع، فسأل عن السبب، فقيل له إن : “عدو أمريكا الأكبر في الشرق الأوسط قد قُتل” .

وعندها – بحسب الرواية الإخوانية – اهتز السرير تحت جسده، لا بفعل المرض، بل بفعل الوحي السياسي المفاجئ؛ فأدرك فجأة أن مدرس الخط حسن البنا كان على حق، وأن الإخوان هم الطريق.

وللوهلة الأولى تبدو الحكاية مؤثرة، مكتوبة بإيقاعٍ درامي يكاد يصلح لسيناريو سينمائي رديء ؛ لكن مشكلتها أنها تنهار سريعًا عند أول احتكاكٍ عقلاني بالتاريخ.

فقد اغتيل حسن البنا في 12 فبراير 1949، والأيام التالية مباشرة تتزامن في الثقافة الأمريكية مع احتفالات عيد الحب؛ حيث الزهور الحمراء، والزينة، والبطاقات، ومظاهر البهجة المعتادة التي تملأ المتاجر والشوارع والمستشفيات.

ثم إن المجتمع الأمريكي المنتشي بالنصر المؤزر على أعتى آلات الدمار الهتلرية، وهو يشرف على هندسة نظامٍ عالميٍّ جديد؛ لم يكن ليلتفت إلى أدبيات جماعةٍ محليّة، أو يقع أسيراً لـ”وهم المركزية الكونية” الذي نسجته أساطير الإخوان حول مؤسسهم ، فما كان لشارعٍ أمريكيٍّ صاخب، أو وعيِ ممرضةٍ مثقلةٍ بجراح عائدين من جبهات أوروبا واليابان ، أن يتوقفوا ليرقصوا ابتهاجاً برحيل رجلٍ لم يسمعوا به أصلاً؛ إلا في مخيلة تنظيمٍ أدمن تزييف التاريخ بصناعة مظلوميةٍ أسطورية تغيب بها عقول أتباعه !

بل إن السؤال الأكثر إحراجًا للرواية هو: هل كان المواطن الأمريكي يعرف أصلًا من هو حسن البنا؟

لا توجد وثيقة أمريكية معتبرة، ولا تقرير صحفي جاد، ولا أرشيف إعلامي معروف يشير إلى حالة احتفال جماعي بمقتل الرجل ، بل لا يوجد أصلًا ما يدل على أن “مدرّس الخط” كان حاضرًا في الوعي الأمريكي لا بشخصه ولا حتى بوصفه الخطر الأكبر الذي ينتظر المواطن الأمريكي لحظة الخلاص منه حتى يخرج بالأزهار والزينات احتفالًا برحيله !!

لكن المشكلة أن وظيفة الأسطورة ليست إثبات الواقعة بأدوات البحث العلمي … بل صناعة الصنم.

كان المطلوب ألا يبدو انضمام سيد قطب إلى الإخوان كتحولٍ سياسي أو نفسي أو مراجعةٍ فكرية، أو انتقاماً من مجلس قيادة الثورة ، بل كاستجابةٍ لنداءٍ كوني؛ وكأن أمريكا نفسها ــ وهي القوة المنتصرة في الحرب العالمية الثانية والخصم البعيد ــ شهدت بعظمة مدرّس الخط حسن البنا دون أن تدري !!

هنا لا يعود سيد قطب رجلًا يراجع أفكاره، بل يصبح مختارًا تتوالى أمامه الإشارات الإلهية ، وتتساقط حوله العلامات الربانية .

فالجماعة لا تبحث عن مفكرٍ يقتنع بالمنطق ، بل عن شبة نبيٍّ تُساق إليه الإشارات الربانية في مشافي امريكا !!

الحجر الثاني: صناعة العدو الكوني 

بعد لحظة نزول الوحي الإخواني، يحتاج الصنم إلى عدوٍ كبير؛ فالرمز لا تكتمل هالته بكراماته وحدها، بل بقوة خصومه أيضًا، وبضخامة المعركة التي يخوضها ، فالبطل الأسطوري لا يُقاس بحجمه الحقيقي، بل بحجم الوحش الذي يُقال إنه هزمه أو أرعبه.

كل أسطورة تحتاج وحشها الخاص، وكل بطلٍ مصنوع يحتاج خصمًا بحجم العالم حتى يبدو أكبر من حجمه الطبيعي ، فالأسطورة لا تكتفي بأن تمنح بطلها فضائل استثنائية، بل تمنحه أيضًا أعداء استثنائيين؛ لأن البطولة ــ في المخيال الجمعي ــ لا تُولد من الفراغ، وإنما تتغذى على ضخامة المواجهة وقسوة الطريق.

ومن هنا تبدأ حكايات المخابرات البريطانية، والرعب الغربي من سيد قطب، والمطاردات الكونية التي تجعل الرجل وكأنه كان مركزًا لانتباه الإمبراطوريات، ومحورًا تدور حوله دوائر القرار في الشرق والغرب.

وتُروى في الأدبيات الإخوانية حكايات عن لقاءات وتحذيرات ومتابعات، وعن رجال مخابرات أدركوا خطر الإخوان ــ أو خطر سيد قطب ــ قبل غيرهم، وكأن مسار الرجل كله كان يتحرك تحت عين الغرب؛ لا لأنه كاتب أو عضو في تنظيم سري، بل لأنه ــ وفق الرواية الأسطورية ــ مشروع تهديد حضاري كامل، ورجلٌ من طرازٍ تهتز له خرائط النفوذ وتضطرب له حسابات الإمبراطوريات.

والمشكلة هنا ليست في احتمال أن تكون أجهزة غربية قد راقبت جماعة الإخوان الإرهابية؛ فهذا باب معروف في تاريخ ما بعد الحرب العالمية الثانية، فضلًا عن الثابت حول قيام المخابرات الغربية بتأسيس الجماعة وتمويلها .

المشكلة الحقيقية تكمن في التضخيم الأسطوري؛ أي تحويل المتابعة السياسية أو الأمنية إلى شهادة كونية بفرادة الرجل.

كأن العالم كله لم يكن منشغلًا إلا به، وكأن أجهزة الإمبراطوريات الممتدة من واشنطن إلى لندن وباريس لم ترَ في الشرق كله إلا سيد قطب وحده.

وهنا يغادر الخطاب التاريخ، ويدخل إلى العيادة النفسية.

فهذه ليست قراءة سياسية بقدر ما هي محاولة لعلاج عقدة النقص الإخوانية؛ فالتنظيم الذي يشعر بصغره أمام الدولة، وضعفه أمام العالم، يحتاج إلى أن يُقنع أتباعه بأنه مرعب إلى حدّ أن الإمبراطوريات تخشاه، وأن أجهزة العالم الكبرى تسهر ليلها في مراقبته وتتبع أثره.

وهنا يصبح تضخيم العدو وسيلة لتضخيم الذات؛ لأن الجماعات المهزومة كثيرًا ما تعوض نقص الواقع بفائض الأسطورة. 

الحجر الثالث: صناعة صاحب الكرامات 

بعد نزول الوحي الإخواني والعدو الكوني، تأتي الكرامات؛ فالرجل الذي اصطفته العلامات، وخشيه العالم، لا بد أن تجري على يديه ــ أو حوله ــ خوارق تشهد له.

هنا تدخل الحكايات الأكثر سريالية: دعوات تستجاب فورًا، وسجّان يبكي، ومرض يشفى، ورؤى ومنامات، ثم الحكاية الأشد عبثًا: دعاؤه على عبد الحكيم عامر بأن تصبح كليته في مخه!

وبحسب الرواية المتداولة في بعض الدوائر الإخوانية، أساء المشير عبد الحكيم عامر إلى سيد قطب ، فدعا عليه قطب، ثم قيل بعد وفاة عامر إن التشريح أثبت وجود جزء من الكلية داخل المخ، فهلّل طبيب شاب كان يحضر عملية التشريح قائلًا: “ هذه دعوة سيد قطب!”

وهي حكاية لا تحتاج إلى جهد كبير لتنكشف استحالتها العلمية؛ فلا تشريح الإنسان، ولا بنية الجسد، ولا الطب الشرعي يعرف ممرًا تنتقل عبره الكلية من موضعها إلى الجمجمة، كما لا يوجد تقرير طبي موثق يثبت هذا العبث.

لكن الأسطورة لا تعبأ بالتشريح؛ فهي لا تريد أن تقنع طبيبًا، بل أن تُخضع مريدًا.

وظيفة هذه الحكاية منح قطب سلطة كونية: من يعاديه ينتقم الله منه على نحو يخالف قوانين الجسد والطبيعة .

وهنا ينتقل الرجل من مفكر متطرف إلى وليّ ذي تصريف، كأن الكون نفسه ينتصر له.

ثم تأتي المنامات والرؤى بعد موته: من رآه في هيئة بيضاء، ومن بشّر بمقامه، ومن حكى عن حضوره في عالم الغيب.

وهي كلها روايات شفوية لا يمكن التحقق منها، لكنها تؤدي الوظيفة ذاتها: إكمال عملية تحويله من مفكر… إلى شهيد… ومن شهيد إلى وليّ … ومن وليّ إلى صنم. 

الحجر الرابع: صناعة الشهيد الذي لا يشبه البشر 

ثم تأتي المشنقة، وهي أخطر حجر في بناء الصنم ، فالموت في المخيال التنظيمي ليس نهاية، بل لحظة إنتاج كبرى ، عند الموت تكتمل الصورة، وتتوقف الأسئلة، ويصير الدم ختمًا على النص.

لهذا أحاطت الجماعة لحظة إعدام سيد قطب بسلسلة من المشاهد المصنوعة: إصبع السبابة الذي لا يكتب اعتذارًا، وملقّن الشهادة الذي يُوبَّخ، والابتسامة الأخيرة، والكلمات التي تقال عادة في السير الملحمية أكثر مما تقال في محاضر الوقائع.

تقول رواية السبابة إنه رفض أن يكتب استرحامًا للرئيس عبد الناصر ، لأن الإصبع الذي يشهد لله لا يكتب كلمة لطاغية ، وتقول رواية ملقن الشهادة إن شيخًا دخل عليه ليذكّره بالشهادة، فقال له ما معناه: نحن نموت من أجل لا إله إلا الله، وأنتم تأكلون الخبز بها.

وتدور روايات الابتسامة الأخيرة حول هدوء إعجازي عند لحظة الموت، كأن الرجل لم يكن أمام حبل مشنقة ، بل أمام باب مفتوح إلى الأسطورة.

لا ينبغي هنا أن ننشغل فقط بسؤال: هل قال هذه الجملة أو لم يقل؟ بل بالسؤال الأعمق: لماذا تحتاج الجماعة إلى هذه الجملة؟ لماذا لا يكفي أن يموت الرجل كما يموت البشر؟ لماذا لا بد أن يكون موته مشهدًا مسرحيًا كامل الإضاءة، كامل الرمزية، كامل الرسالة؟

الجواب أن موت الإنسان يترك مساحة للأسئلة، أما موت القديس فيغلقها.

حين يموت الإنسان تسأل: ماذا قال؟ ماذا فعل؟ ماذا ترك؟ أما حين يُصنع شهيدًا أسطوريًا، فإن السؤال نفسه يصبح خيانة.

المشنقة لم تكن نهاية رجل، بل كانت خط إنتاج الصنم؛ حيث حُوّلت الحبال إلى خيوط مقدسة، وإصبع السبابة إلى بوصلة أبدية للتكفير. 

الحجر الخامس: من المتحول إلى النص المقدس 

بعد أن يكتمل بناء أسطورة سيد قطب ــ لحظة نزول وحي إخواني ، وعدو كوني، وكرامات، ومشهد استشهاد مسرحي ــ تنتقل الحصانة من الشخص إلى النص.

وهنا يصبح الاقتراب من “في ظلال القرآن“ أو “معالم في الطريق“ ليس مجرد نقاش حول كتاب، بل اقترابًا من مقام.

فلا يُقرأ النص باعتباره اجتهادًا بشريًا، بل باعتباره أثرًا صادرًا عن رجل أحاطته العلامات، وغلّفته الكرامات، وطوّقته المحنة ، فلا يجرؤ إخواني أن يسأل ، لماذا كتب سيد قطب يوماً : ” لماذا صرت ماسونيا ؟ ” !! ولماذا تم اختياره دون غيره للذهاب في بعثة حكومية إلى أمريكا !!

وهذه أخطر لحظة في البناء الصنمي كله.

فالمشكلة ليست أن يحب أتباع رجلًا ، أو يتأثروا بكتاب؛ المشكلة أن تتحول محبة الرمز المصنوع إلى حراسة للنص، وأن تتحول الحراسة تدريجيًا إلى منع للسؤال.

عندها لا يعود القارئ قارئًا، بل تابعًا.

ولا يعود النص مجالًا للفهم، بل بابًا للامتثال وأوامر للتنفيذ !!

هنا يظهر الاستثمار التنظيمي الحقيقي للصنم؛ فالأسطورة لا تُبنى من أجل الماضي فقط، بل من أجل المستقبل أيضًا.

فتقديس سيد قطب منح كل من يتحدث باسمه أو يستعير قاموسه سلطة مضاعفة على قواعد الإخوان.

لم تعد الفكرة تُقدَّم باعتبارها رأيًا يحتمل الخطأ والصواب، بل باعتبارها ميراث شهيد عارف بالله، عاش مطاردًا، ومات مبتسمًا، وسبقته العلامات، ولحقته الكرامات.

ومن هنا يتحول الصنم من صورة معلقة على جدار الذاكرة… إلى مفتاحٍ لتفجير العقول.

إعادة القراءة الاستراتيجية 

لم تكن الجماعة إذن تصنع أكاذيب منفصلة، ولا تروّج حكايات عابرة للتسلية أو الوعظ، بل كانت تبني سيرة قديس كاملة البنية: ولادة أسطورية، عدو كوني، كرامات، مشهد شهادة مسرحي ، ثم نص محصّن من النقد .

هذه هي هندسة الصنم.

والأسطورة لا تنتهي عند صاحبها، بل تبدأ بعده ، فكل جيل تنظيمي يحتاج إلى صنم معنوي يعود إليه حين تضيق الأسئلة.

وكل قيادة مأزومة تحتاج إلى شهيد قديم لتغطي به فشلًا جديدًا.

وكل تيار راديكالي يحتاج إلى اسم كبير يعلقه على جدار الفوضى، حتى تبدو الفوضى ميراثًا لا انحرافًا.

ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا ظل سيد قطب حاضرًا ، فلم يكن حضوره حضور كاتب مبدع ، بل حضور طريقة في تحويل النص إلى سلاح، والمظلومية إلى هوية، والموت إلى برهان، والرمز إلى سلطة.

هكذا يصبح الصنم أخطر من الفكرة أحيانًا؛ لأن الفكرة قد تُناقَش، أما الصنم فيُحرس.

والفكرة قد تُردّ، أما الصنم فيُثأر له.

والفكرة قد تكشف ضعف صاحبها، أما الصنم فيمحو صاحبه ليبقي منه صورة لا تشيخ ولا تخطئ ولا تعتذر.

كتب رولان بارت أن الأسطورة تمحو التاريخ من البشر، ورأى جوستاف لوبون أن الجماهير تبحث عن الصورة أكثر مما تبحث عن البرهان.

وبين محو التاريخ وسحر الصورة، صنعت جماعة الإخوان أسطورة سيد قطب.

لم تتركه كاتباً يمكن أن يُقرأ ويُناقش ويُراجَع، بل أعادت بناءه حجرًا فوق حجر ، والخطر في الأصنام ليس أنها تكذب فقط، بل أنها تطلب من الناس أن يتوقفوا عن التفكير.

تطلب منهم ألا يروا الإنسان، بل الهالة.

ألا يقرأوا النص، بل القداسة المحيطة به.

ألا يسألوا: ماذا فعلت هذه الأفكار بالواقع؟ بل أن يرددوا ضمنياً : من نحن حتى نسأل؟

وهنا تكمن المأساة.

فالجماعات لا تهزم أتباعها حين تخدعهم  ، بل حين تجعلهم يدافعون عن الخديعة باعتبارها إيمانًا.

ولا تصنع الطاعة العمياء حين تأمرهم فقط، بل حين تزرع فيهم صنمًا داخليًا يراقبهم كلما حاولوا أن يفكروا.

لقد مات سيد قطب الإنسان منذ زمن ، لكن الجماعة لم تترك موته ينتهي.

أخذت الرجل من التاريخ، ورفعته فوق النقد، وغلّفته بالأساطير، ثم أعادته إلى الأجيال لا بوصفه كاتبًا مسؤولًا عن نصوصه، بل بوصفه صنمًا صالحًا للتعبئة والحشد ضد الدولة والمجتمع.

وهكذا، لم يكن أخطر ما فعلته الجماعة أنها قرأت سيد قطب ، بل أنها أعادت كتابته بصورة أسطورية.

لم يكن أخطر ما فعلته أنها حفظت نصوصه، بل أنها بنت حوله صنمًا. والصنم، متى سكن العقل، لا يكتفي بأن يُعبد في صمت؛ بل يطلب دائمًا قرابين جديدة!!

متعلق مقالات

الدلتا‭ ‬الجديدة‭..‬ ‬عنوان‭ ‬لإرادة‭ ‬مصر‭..‬  ومشروع‭ ‬القرن‭ ‬لتحقيق‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائى
ملفات

الدلتا‭ ‬الجديدة‭..‬ ‬عنوان‭ ‬لإرادة‭ ‬مصر‭..‬ ومشروع‭ ‬القرن‭ ‬لتحقيق‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائى

20 مايو، 2026
ليلة حسم الدورى
ملفات

يُطفئ مونديال  2026 نيران الصراع بين واشنطن ومكسيكو سيتى؟

20 مايو، 2026
الزمالك يستعد لإنقاذ الموسم..  و«عواد» فى الموعد أمام سيراميكا
ملفات

تصاعد‭ ‬التهديدات‭ ‬الإرهابية‭ ‬وخطابات‭ ‬الكراهية‭ ‬عالميًا‭ ‬ وسط‭ ‬تحولات‭ ‬أمنية‭ ‬وفكرية‭ ‬معقدة‭!‬

20 مايو، 2026
المقالة التالية
اتحاد كتاب مصر يوثّق تراث «الحصاد والجلامة» في ليلة ثقافية لـ «أدب البادية»

اتحاد كتاب مصر يوثّق تراث «الحصاد والجلامة» في ليلة ثقافية لـ «أدب البادية»

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ملحق الجمهورية التعليمي

الأكثر قراءة

  • ناقلة إيفر غيفن الجانحة في قناة السويس

    قناة السويس: الرهان الاقتصادي لناقلات النفط ذات التأمين المشكوك فيه

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
  • حصريًا بالفيديو والصور.. رصد تفاصيل ليلة الرعب في أبنوب بأسيوط ونهاية المسلح الخطير

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
  • شاب مستهتر اقتحم الرصيف ودمر أسرة بعد «نص الليل».. المنوفية تودع الدكتورة «سلمى» لتحلق بشقيقتها الطبيبة «سهيلة»

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
  • «الأهلي للجميع» روح رياضية لا تعرف التعصب

    0 مشاركات
    شارك 0 تغريدة 0
لوجو جريدة الجمهورية
جريدة الجمهورية هي صحيفة قومية أنشأتها ثورة 23 يوليو عام 1952, صدر العدد الأول منها في 7 ديسمبر 1953م, وكان الرئيس الراحل محمد أنور السادات هو أول مدير عام لها, ثم تعاقب على رئاسة تحريرها العديد من الصحفيين ويتولي هذا المنصب حالياً الكاتب الصحفي أحمد أيوب.

تصنيفات

  • أجراس الأحد
  • أخبار مصر
  • أهـلًا رمضـان
  • أهم الأخبار
  • إقتصاد و بنوك
  • الجمهورية أوتو
  • الجمهورية معاك
  • الدين للحياة
  • العـدد الورقـي
  • برلمان و أحزاب
  • تكنولوجيا
  • حلـوة يا بلـدى
  • حوادث و قضايا
  • رياضة
  • سـت الستـات
  • شهر الفرحة
  • عاجل
  • عالم واحد
  • عالمية
  • عرب و عالم
  • عقارات
  • فن و ثقافة
  • متابعات
  • مجتمـع «الجمهورية»
  • محافظات
  • محلية
  • مدارس و جامعات
  • مع الجماهير
  • مقال رئيس التحرير
  • مقالات
  • ملفات
  • منوعات

أحدث الأخبار

خدمات  بأعلى جودة.. لـ 2830 حالة

خدمات  بأعلى جودة.. لـ 2830 حالة

بقلم جيهان حسن
23 مايو، 2026

الحكومة جاهزة للعيد

الحكومة جاهزة للعيد

بقلم جريدة الجمهورية
23 مايو، 2026

الحل «ليبى ـ ليبى».. دون إقصاء

الحل «ليبى ـ ليبى».. دون إقصاء

بقلم شريف عبدالحميد
22 مايو، 2026

  • سياسة الخصوصية
  • إتصل بنا – جريدة الجمهورية
  • من نحن – جريدة الجمهورية

جميع حقوق النشر محفوظة لـ دار التحرير للطبع والنشر - 2024 ©

لا توجد نتائج
كل النتائج
  • الرئيسية
  • أخبار مصر
  • ملفات
  • مدارس و جامعات
  • محافظات
  • رياضة
  • برلمان و أحزاب
  • فن و ثقافة
  • حوادث و قضايا
  • المزيد
    • تكنولوجيا
    • عرب و عالم
    • إقتصاد و بنوك
    • الجمهورية معاك
    • منوعات
    • متابعات
    • أجراس الأحد
    • عالم واحد
    • مع الجماهير
    • العـدد الورقـي
    • مقال رئيس التحرير
إتصل بنا

جميع حقوق النشر محفوظة لـ دار التحرير للطبع والنشر - 2024 ©