تناولنا فى المقال السابق أن مشاركة الرئيس السيسى فى قمة «أفريقيا وفرنسا» بالعاصمة الكينية نيروبى قد عكست واقعية الدور المستمر للدولة المصرية فى صياغة مستقبل القارة، بعد تجربة مصرية رائدة، نتج عنها أن النزاعات المسلحة والهشاشة الأمنية هى العائق الأول أمام عمليات التنمية، وأن الحلول السياسية للأزمات أصبحت ضرورة بالتوازى مع جهود الإصلاح الاقتصادى لمصر لتدشين السلام الشامل، هذا السلام الذى تسعى إليه دول إفريقيا بعد سلسلة من الحروب والنزاعات الأهلية،تواجهه ممرات سلام مسدودة نتيجة أزمة ديون ممنهجة صاغتها قوى الاستعمار القديم والحديث، لتتعاظم معها ديون القارة الأفريقية والتى تجاوزت 1.8 تريليون دولار بنهاية 2024، وبنسبة دين إلى الناتج المحلى الإجمالى 60 ٪، وهذا يعنى أن القارة تحتاج إلى أكثر من 400 مليار دولار سنوياً لسد احتياجاتها التمويلية بحلول 2030، وهو مبلغ يفوق بكثير ما تحصل عليه من استثمارات أو مساعدات حالية والتى تقدر بـ 97 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال عام 2024، كما تحتاج إلى تدبير تكلفة الغذاء التى ارتفعت بنسبة تفوق 40 ٪ منذ عام 2022، ويبقى التحدى الأعظم هو كيفية مواجهة وقوع أكثر من نصف سكان إفريقيا تحت خط الفقر المدقع بحلول 2030. هذه الممرات المسدوة تنبهت إليها مؤخراً الدول الأوروبية التى أدركت بأنه مع تدهور الأوضاع المعيشية وتراجع فرص العمل، فمن الممكن أن تشهد القارة موجة من الهجرة غير النظامية نحو أوروبا. مع توقع أن أكثر من 30 مليون أفريقى قد يسعون لمغادرة القارة بحلول 2030 إذا استمرت الظروف الاقتصادية على هذا المنوال. وهذه الموجات ستضع ضغوطاً إضافية على أنظمة الضمان الاجتماعى الأوروبية، وتخلق تحديات سياسية داخلية قد تؤثر على استقرار الاتحاد الأوروبي، الذى يرتبط ارتباطاً إثنيا بالقارة الأفريقية، والتى هى على أرض الواقع واحدة من أكثر المناطق تضرراً من أعباء الديون الخارجية، مما يعوق مسارات التنمية وتضطر معها الحكومات لتوجيه جزء كبير من ميزانياتها لخدمة الدين بدلاً من الاسثتثمار فى البنية التحتية، التعليم، أو الصحة.الى جانب ارتفاع تكلفة الاقتراض بسبب أسعار الفائدة المرتفعة مقارنة بالدول المتقدمة، مما يخلق حلقة مفرغة تزيد من صعوبة سداد الديون وتحقيق النمو، هنا تزداد دوافع الهجرة إلى أوروبا لأسباب اقتصادية بالأساس، وكذلك الفارق الكبير فى هيكل الأجور ومستوى المعيشة بين الدول الإفريقية والأوروبية وهو ما يمثل عامل جذب رئيسي. وبالتالى فإنه يمكننا القول إنه لا يمكن النظر إلى أزمة أفريقيا الاقتصادية باعتبارها شأناً داخلياً، إذ أن القارة باتت مدمجة بشكل عميق فى النظام الاقتصادى العالمي. وأى انهيار فى اقتصاداتها ستكون له تداعيات مباشرة على التجارة الدولية وأسواق الطاقة والمعادن وحتى السياسات الأمنية فى أوروبا وآسيا. وتمثل أفريقيا سوقاً يضم أكثر من 1.4 مليار نسمة، ومع ذلك فإن ضعف القدرة الشرائية الناجم عن الأزمة الحالية يعنى تباطؤاً فى الطلب على السلع المستوردة. ووفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي، فإن التباطؤ فى أفريقيا قد يخفض نمو الصادرات الأوروبية والآسيوية بنحو 0.3 نقطة مئوية سنوياً. وقد يؤثر هذا التراجع بشكل خاص على الصين، التى تعد الشريك التجارى الأول للقارة، حيث بلغت قيمة التبادل التجارى بين الجانبين أكثر من 280 مليار دولار فى 2024.
أوروبا حافظت على سيطرتها الاقتصادية عبر شركاء محليين وشبكات من الشركات متعددة الجنسيات، دون الحاجة إلى الاحتلال المباشر.لضمان استمرار نزوح الثروات الأفريقية من خلال آليات السوق والديون والاستثمار المشروط.









