لا تزال تداعيات الحرب «الأمريكية -الإسرائيلية» على الدولة الإيرانية تكشف، يوماً بعد يوم، حجم التغلغل الصهيونى داخل بعض دول المنطقة، سواء بصورة مباشرة أو عبر أدوات غير معلنة، مستنداً إلى الغطاء السياسى والعسكرى الأمريكى لفرض هذا النفوذ بالترغيب أحياناً وبالترهيب أحياناً أخرى، بهدف صناعة حلفاء جدد يخدمون المشروع الصهيوأمريكى فى الشرق الأوسط.
هذا المشروع لا يقتصر على بناء تحالفات سياسية وعسكرية فحسب، بل يمتد إلى إعادة تشكيل خريطة المنطقة واستنزاف قواها الكبرى، عبر تفكيك الدول وإضعاف الجيوش وإشعال الصراعات الداخلية، حتى تتحول بعض الأطراف إلى أدوات تُستخدم ضد محيطها التاريخى ومصالح أمتها، خدمةً لمخططات لا تستهدف سوى تعزيز الهيمنة الإسرائيلية وإعادة رسم موازين القوى فى المنطقة.
وفى المقابل، هناك دول استُغلت أراضيها وقواعدها العسكرية دون إدراك كامل لحجم ما يُدار فوقها أو من خلالها، كما حدث فى العراق، حيث تسلل العدو الإسرائيلى تحت الغطاء الأمريكي، وأقام قواعد سرية كُشف عنها لاحقاً، تُستخدم لتوجيه ضربات عسكرية وإشعال مزيد من التوتر فى المنطقة، بما يدفع الشرق الأوسط نحو صراعات مفتوحة قد تتجاوز حدود المواجهات التقليدية.
وما تشهده المنطقة منذ سنوات من قتل وترويع ودمار وجرائم إبادة فى غزة وجنوب لبنان، وأن استمرار سياسة العدوان والأرض المحروقة ينذر بحريق قد يمتد إلى الجميع دون استثناء.
لكن ما يغيب عن البعض أن استمرار الضغط والقتل والتدمير لا يصنع أمناً دائماً، بل يولد انفجاراً مؤجلاً قد يأتى فى لحظة لا يتوقعها أحد. وحينها سيدرك الجميع أن الحل الحقيقى لا يكمن فى التحالف مع قوى الفوضي، بل فى استعادة الوعى بوحدة المصير، والعودة إلى منطق التعاون والتوازن الإقليمي، بعيداً عن السياسات التى تحول شعوب المنطقة إلى وقود لحروب لا تخدم سوى أطماع الاحتلال ومصالح القوى الكبري.
ومن هنا، تبدو الدعوات الرافضة للحرب أو لاستخدام أراضى الدول وقواعدها العسكرية منطلقاً للصراع، مواقف بالغة الأهمية، لأنها تسهم فى إفساح المجال أمام الحلول السياسية والتفاوض، وتغلق الطريق أمام المخططات التى تستهدف إغراق المنطقة فى نار قد تمتد لسنوات طويلة.
كما أن الجميع يدرك أن الدولة الإيرانية تمثل قوة رئيسية فى معادلة التوازن الإقليمي، وأن التعامل مع أزمات المنطقة لا يمكن أن يتم بمنطق الإقصاء أو التصعيد المستمر، بل عبر بناء مسارات تحفظ الاستقرار والأمن والسلام، وتمنع انزلاق الشرق الأوسط إلى مواجهة شاملة لن يخرج منها أحد منتصراً.









