
توافدت جموع حجيج بيت الله الحرام لأداء مناسك عمرة القدوم، تعلو أساريرهم بهجة الطاعة وتفيض قلوبهم بركائز الرجاء والمغفرة، بعد أن لبوا نداء الحق جل وعلا لزيارة بيته العتيق في رحلة الأبرار والتوبة. وقد شهدت باحات المسجد الحرام حركة دؤوبة للطائفين والعاكفين والركع السجود، وسط منظومة خدمات متكاملة؛ حيث سخرت السلطات السعودية -كعادتها- كافة إمكاناتها لاستقبال ضيوف الرحمن، وحولت المشاعر المقدسة إلى واحة من الأمان والراحة، وانتشر المطوفون ورجال الأمن في أرجاء الحرم لتقديم العون والمساعدة، مدعومين بانتشار مكثف لمبردات المياه، والمظلات، ووحدات الإسعاف للتعامل الفوري مع وهج الصيف وعناء الرحلة.
وسط هذه الأجواء الإيمانية، ظهر تميز أفواج الحجاج المصريين بفضل انتظام تحركاتهم في مجموعات عبر خطوط السير المعتمدة، وتحت إشراف مباشر من أعضاء البعثة الموفدة من وزارات: السياحة والآثار، والتضامن الاجتماعي، والداخلية.
اكتمال وصول الحجاج وتوسيع بعثة المدينة المنورة
شهد موسم الحج الحالي إقبالاً كبيراً من حجاج السياحة على زيارة المدينة المنورة والمسجد النبوي كموسم أول قبل التوجه إلى المشاعر المقدسة؛ حيث بلغ عدد الحجاج الذين زاروا المدينة نحو 23 ألف حاج، بنسبة تتجاوز 60% من إجمالي حجاج السياحة هذا العام.
وفي هذا الصدد، أعلنت سامية سامي، مساعد وزير السياحة والآثار لشؤون الشركات، ورئيس اللجنة العليا للعمرة والحج، ورئيس البعثة الرسمية للحج السياحي المصري، أنه نظراً لزيادة الأعداد بالمدينة المنورة، فقد تقرر دعم البعثة الفرعية هناك بزيادة أفرادها وتزويدهم بكافة الآليات لمتابعة أحوال الحجاج في أماكن إقامتهم، والتي تتركز معظمها في المنطقة الشمالية المواجهة للمسجد النبوي الشريف، للتأكد من جودة الخدمات المقدمة وفقاً للتعاقدات المبرمة.
وأوضحت رئيسة البعثة أن إجمالي حجاج السياحة المتواجدين في المملكة العربية السعودية بلغ حتى الآن 29 ألف حاج (15 ألفاً في المدينة المنورة، و14 ألفاً في مكة المكرمة)، مؤكدة أن يوم 22 مايو هو الموعد المحدد لاكتمال وصول كافة الأفواج البالغ عددها 40 ألف حاج.
مؤشرات إيجابية: «صفر» شكاوى وبلاغات
أكدت سامية سامي أن غرف عمليات البعثة لم تسجل أي بلاغات عن حوادث أو إصابات -لا قدر الله- بين الحجاج المصريين، كما لم تتلقَّ البعثة أي شكاوى رسمية بشأن عمليات النقل أو التسكين.
وأشارت إلى أن وزير السياحة والآثار يتابع على مدار الساعة التقارير اليومية الصادرة عن لجان البعثة؛ للوقوف على انتظام خطط التفويج، ومدى مطابقة الخدمات للمعايير الوزارية، والتزام الشركات بالبرامج المتفق عليها. كما استعرض الوزير الخطط البديلة لضمان سرعة وكفاءة التعامل مع أي حالات طارئة، مشدداً على رفع درجة الاستعداد لتجنيب الحجاج أي عقبات.
وأضافت أنه لم يتم رصد أي حالات “فقدان” حتى الآن، نظراً لجهود اللجنة المتخصصة التابعة للبعثة، والتي تتابع الموقف فوراً لإعادة أي حاج يضل طريقه إلى مقر إقامته.
رعاية طبية وتسهيلات لوجستية: بطاقة «نسك» وحقائب الحجاج
في إطار التنسيق المشترك، أكدت رئيسة البعثة وجود تعاون مستمر مع البعثة الطبية المصرية؛ حيث تم افتتاح عيادتين بمكة المكرمة لتقديم الخدمات العلاجية والوقائية لحجاج السياحة على مدار 24 ساعة، فضلاً عن تنظيم ندوات تثقيفية داخل غرف الحجاج لرفع الوعي الصحي، وتوزيع المظلات، والأقنعة الواقية (الماسكات) لتجنب ضربات الشمس، مع وضع ملصقات إرشادية في المحيط السكني للحجاج.
وعلى الصعيد اللوجستي، نسق ممثلو غرفة شركات السياحة بالبعثة مع مؤسسة “الراجحي لخدمات الحج” لضمان راحة الحجاج. وقام الأستاذ أحمد إبراهيم، رئيس لجنة السياحة الدينية بالغرفة، يرافقه الأستاذ أسامة عمارة، المدير التنفيذي للغرفة، بزيارة مقر المؤسسة بالمدينة المنورة؛ حيث تم بحث آليات تطبيق النظام السعودي الجديد “حاج بلا حقيبة”، وتأكيد انتظام وصول أمتعة الحجاج مباشرة إلى الفنادق دون تأخير.
كما تم الاتفاق على آلية سريعة لتسليم “بطاقة نسك” للحجاج فور وصولهم، حيث استجابت مؤسسة الراجحي بزيادة أعداد الموظفين المسؤولين عن الطباعة والإصدار، ليتم التسليم مباشرة بإشراف مشرفي الشركات ومعاونة اللجنة الفرعية للسياحة.
كوكبة من العلماء لتوحيد الرسالة الدينية والتيسير على الحجاج
يرافق بعثة الحج السياحي هذا العام وفد ديني يضم كوكبة من كبار علماء الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف (يزيد عددهم عن 8 من كبار الأساتذة والوعاظ)، تم اختيارهم بالتنسيق مع القامات الدينية في مصر لتوفير التوعية الفقهية، مع التركيز المكثف على حجاج البرنامجين “البري” و”الاقتصادي”.
وأوضح الدكتور رأفت عبد العاطي، الإمام والخطيب بوزارة الأوقاف، أن تواجد العلماء لا يقتصر على حجاج السياحة فحسب، بل يمتد لخدمة جميع الحجاج من خلال ندوات موسعة ومفتوحة للجميع في مكة والمدينة، مما يزيل اللبس وينهي حالة الرهبة والارتباك لدى الكثيرين.
من جانبه، أشاد الأستاذ أحمد إبراهيم، رئيس لجنة السياحة الدينية، بالتعاون المثمر مع المؤسسات الدينية (الأزهر، الأوقاف، دار الإفتاء) للعام الثاني على التوالي، مؤكداً أن الهدف هو توحيد الرسالة الدينية ونشر الفكر الوسطي. وأشار إلى أن العلماء وضعوا خطة محكمة تشمل إلقاء المحاضرات في أماكن التجمعات وقبل تصعيد الحجاج إلى منى وعرفة، إضافة إلى مرافقتهم داخل المخيمات بمقر المشاعر المقدسة.
وأضاف إبراهيم أن فتاوى كبار العلماء بـ “جواز عدم المبيت في منى” لكبار السن والمرضى والنساء، و”جواز رمي الجمرات على مدار الساعة”، ساهمت بشكل جذري في الحفاظ على سلامة الحجاج والتيسير عليهم، والقضاء على الجدل الفقهي. كما لفت إلى أن العديد من شركات السياحة (خاصة في مستويات الخمس نجوم) تصطحب وعاظاً إضافيين لتقديم برامج توعوية تبدأ من مصر وتستمر طوال الرحلة.
انطباعات الحجاج: تنظيم متميز وأجواء روحانية مريحة
أعرب عدد من الحجاج عن بالغ سعادتهم بمستوى التنظيم والخدمات المقدمة؛ حيث أكدت الحاجة ابتسام عبد الفتاح لاشين أنها شعرت بحجم الاهتمام والترتيب منذ اللحظة الأولى لوصولها، مشيدة بالاستقبال المميز في المطارات والفنادق، وبالندوات الدينية التي منحتها وعياً كاملاً بالمناسك. وأضافت أنها كانت متخوفة من تطبيق نظام “حاج بلا حقيبة”، إلا أن أمتعتها وصلت بسلاسة إلى غرفتها.
ومن جانبها، أشادت الحاجة صباح علي جاد بالتواجد المستمر للمشرفين على مدار الساعة للاستجابة لأي استفسار، مؤكدة أن الأجواء الإيمانية المريحة والتنظيم الدقيق داخل مقار الإقامة أتاحا للحجاج التفرغ التام للعبادة وأداء المناسك بسكينة واطمئنان، مما يعكس تلاحم الرعاية الدينية مع جودة التنظيم الإداري لبعثة الحج السياحي هذا العام.
















