فى حقبة مشوهة من تاريخ الإدارة الاقتصادية، تحولت «الميزانية العمومية» إلى صنم جديد يُعبد، وباتت لغة الأرقام الصماء هى السوط الذى تُجلد به الهوية الثقافية للأمم.
حين يخرج علينا د. عبدالمنعم سعيد أحد منظرى الرأسمالية وبراجماتيى «البيع والاستحواذ» ليطالبو بدمج وتصفية المؤسسات الصحفية القومية وتجريدها من دورها التنويرى لصالح «التوازن المالي» و«الربح الإعلاني»، فإننا لا نواجه خطة إصلاح اقتصادي، بل نواجه عملية اغتيال ممنهجة للذاكرة الوطنية المصرية.
المهم ان هذا التوجه فى البداية يخالف مبادرة الرئيس السيسى التى اشاد فيها بالدور الحيوى الذى يضطلع به الإعلام المصرى فى بناء الشخصية الوطنية، وتشكيل وعى المواطنين، وتعريفهم بالمستجدات والتطورات على الساحتين المحلية والدولية، إلى جانب إبراز الإنجازات المحققة، والارتقاء بالذوق العام، وترسيخ القيم والثوابت المجتمعية.
أعتقد أن هذه الرؤية الرئاسية هى مرتكز عمل اللجنة التى شكلها رئيس الوزراء لوضع رؤية الرئيس موضع التنفيذ.. لكن ما نراه هو العجب!!.. لن أناقش معايير واسس تشكيل اللجنة ولكن كلام د. سعيد ينسف عمل هذه اللجنة ويخالف الهدف التى انشئت على اساسه كيف؟
أكد الرئيس التزام الدولة الراسخ بإعلاء حرية التعبير، واحتضان كافة الآراء الوطنية ضمن المنظومة الإعلامية المصرية، بما يعزز من التعددية والانفتاح الفكري.
والسؤال الأول هل سيحدث ذلك بضم كيانات إعلامية ضخمة تمهيدًا لعرضها فى البورصة ؟
والسؤال التالي.. كيف يتم ذلك مع الدعوات المسمومة لتحويل مؤسسات بحجم «دار الهلال» و«روز اليوسف» إلى مجرد خطوط إنتاج تابعة لكيان ضخم آخر هو الجمهورية، مختلف فى التوجه والرسالة، بحجة مواجهة «الخسائر المادية»، وطبعًا منطق الخسائر المالية انعكاس لعقلية محاسبية ضيقة ، عقلية «تاجر الخردة» الذى لا يرى فى تمثال أثرى نادر إلا وزنه ككيلو جرامات من النحاس!، ..بل إننى أخشى أن ينظر هؤلاء غداً إلى قناع «توت عنخ آمون» بسعر بورصة الذهب اليوم، ليتساءلوا فى بلاده: كم يزن هذا القناع من الجرامات؟ وماذا ستكون قيمته كسبائك ذهبية صامتة مجردة طبعًا من التاريخ والحضارة الذين لا وزن لهما عندهم ؟!.
بل أخشى أن يتمادى «سماسرة الأرقام» ليعدّوا كم حجراً يوجد فى الهرم الأكبر، ثم يطرحوا الفكرة العبثية الكبرى: لماذا لا نستغل هذه الأحجار الراكدة فى بناء سور جديد،فالهرم بمفهومهم التجارى الجاف مجرد ركام أحجار لا يدر عائداً شهرياً، والتاريخ لا يصرف أرباحاً للمساهمين!!
لذلك نقولها بملء الفم وبأعلى صوت: ارفعوا أيديكم المسمومة، وابعدوا بسهامكم الحادة عن الجسد المصرى وقلبه النابض فى الصحافة والفكر والإبداع!.. وكلامى ولو كان غير غير ذات معنى لتجار «الهدد والأنقاض» والخردة.. يطرح اسئلة لكل ذى عقل يفكر ويتدبر مثل:
> أولاً: من يكون «جبرتى» هذا الزمان؟
نعم هى الصحافة كأرشيف حى للأمة، فالخطيئة الكبرى لهؤلاء المنظرين هى أنهم يظنون الصحافة مجرد «أخبار» جافة تنقل أحداث الأمس، ويتناسون أن الصحافة هى سياسة، وثقافة، وأدب، ورياضة، وحوادث، وتفاصيل حياة.. إنها الأرشيف الحى وجبرتى العصر لكل الفترات التى نعيشها الآن.
تخيلوا أن الأجيال القادمة حين تأتى بعد عقود، تبحث فى تاريخنا، فلا تجد من يؤرخ لهذه الفترة!
> من سيكون «جبرتي» هذا الزمان ليحكى قصة الإنسان المصرى، وصموده، وإبداعه، وتحولاته، إذا طُمست هذه الصحف وأُغلقت تلك المنابر؟
تخيلوا معى هذا المشهد المرعب: وطن بلا صحافة، وطن بلا إذاعة، وطن بلا تلفزيون، وطن بلا سينما، وطن بلا مسرح، وطن بلا فن!
لماذا ؟..لإنها كلها لا تحقق ارباحا من وجهة نظر تجار الخردة ولن اقول من جاء ليحقق اجندات اجنبية تم صياغتها بدقة لتجريد هذا الوطن من المقومات التى تميزه عما حوله ولا ابالغ اذا قلت والعالم كله …أى مسخ هذا؟
وأى وطن أقرع بلا ملامح وبلا روح وبل صوت يريد هؤلاء أن نعيش فيه؟ إن الأوطان لا تعيش بالخبز وحده، والأمة التى تتنازل عن أدوات وعيها وصوتها ومبدعيها وسبل تشكيل حضارتها، تتحول إلى مجرد تجمع سكانى بلا هوية، يعيش فى جغرافيا صماء بلا تاريخ.
> ثانياً: القوة الناعمة هى أهرامات هذا العصر.. فماذا سنترك للأجيال؟
إن ما غاب عن وعى هؤلاء الماديين، هو أن القوة الناعمة المصرية هى أهرامات هذا العصر، معابده الحية التى لا تزال تبث الحياة والريادة فى عروق الأمة العربية.. نعم الأجداد الفراعنة تركوا لنا أهرامات ليست من حجر كما يظنون، والآباء والأجيال التى صنعت نهضة مصر الحديثة تركت لنا أهرامات من فكر وصحافة وفن وإبداع.
وللحديث بقية مع منطق تجار الخردة!!









