تحولت الصين، فى أسبوع واحد، إلى قبلة لإثنين من كبار قادة العالم، غربه وشرقه.. الرئيس الأمريكى «ترامب» الذى زارها بداية الأسبوع، والرئيس الروسى «بوتين» الذى يزورها الآن فى نهايته.
لا يكاد يوجد عامل مشترك بين ترامب وبوتين، فى زيارتيهما دون إتفاق مسبق، سوى أن كلاً منهما يعى كابوس حرب بدأها، ولا يعرف كيف ينهيها.. ترامب فى «إيران»، وبوتين ـ من قبله ـ فى «أوكرانيا».
واضح أن أكبر قادة العالم، مهما تباينت جذورهم وخلفياتهم وخبراتهم وأنظمة بلادهم، ليسوا معصومين من الوقوع فى أخطاء كارثية تصيب شعوبهم وشعوب العالم معهم، بالاندفاع أو الاستدراج لحروب خارج حدود بلادهم، وفق حسابات ذاتية غير دقيقة، مدفوعين بأن قوتهم العسكرية تكفل لهم تحقيق انتصارات سريعة بأقل تكلفة ممكنة، ثم يكتشفون بمرور الوقت أنهم عاشوا وهم الانتصار، ووقعوا فى فخ الاستنزاف.
لا فرق فى ذلك ـ للأسف ـ بين ترامب الذى هبط على عالم السياسة من عالم العقارات ليقود القوة العظمى الأولى فى العالم دون خلفية سياسية أو عسكرية، أو حتى التزام بنظم وقواعد وأجهزة مؤسسية، ولا يزيد عمره فى قيادة أمريكا منذ بدأ فترة رئاسته الأولى عام 2017 حتى الآن على خمس سنوات ونصف السنة، وبين بوتين الذى تربى فى أحد أقوى أجهزة المخابرات فى العالم وأمضى فى قيادة روسيا ربع قرن كامل حتى الآن.
لا أحد من الاثنين، ترامب وبوتين، وضع فى حسبانه حين بدأ الحرب، تقديراً صحيحا لقوة الطرف الذى يحاربه، ولا لقدرته على الصمود، ولا للتفاعلات التى ستحدثها الحرب فى إقليمه وفى العالم.. بل كان ما يسمعه من المحيطين به على الأرجح هو: ماذا تساوى قوة إيران مقارنة بأمريكا، أو قوة أوكرانيا مقارنة بروسيا.
هناك فروق عديدة على الأرض بين الحربين.. أمريكا جاءت من على بعد آلاف الأميال لتضرب إيران من خارجها، بمشاركة إسرائيلية، ولم تقتحم حدودها حتى الآن.. وروسيا تحارب أوكرانيا من داخلها بعد أن احتلت عشرين بالمائة من مساحتها.
حرب ترامب فى إيران حديثة العمر، ومتقطعة الفقرات.. بدايتها كانت فى يونيو من العام الماضى فيما سمى بحرب الـ 21 يوما، ثم جاءت الفقرة الثانية نهاية فبراير من هذا العام وبين الفقرتين وبعدهما فترات هدن وموائد تفاوض مازالت مستمرة فى انتظار فقرة قتال جديدة أو اتفاق نهائى أو حتى مرحلى.
حرب بوتين فى أوكرانيا دخلت عامها الخامس دون آفق واضح لكيفية انتهائها.
الدولتان: إيران وأوكرانيا تم تدمير أجزاء كبيرة منهما.. لكن.. بأى ثمن؟!
هل تصور الأمريكيون أن يصل الأمر ببلادهم، القوة العظمى الأولى فى العالم أن تبادلهم إيران تدميراً بتدمير فتنهى صلاحية معظم قواعدهم العسكرية فى الخليج والشرق الأوسط، وتطيح بهيبة بلادهم لدى حلفائها، وتجبرهم على إبقاء أساطيلهم وعشرات الآلاف من جيشهم على مقربة منها، بينما يمارس قادتها مع رئيسهم ترامب لعبة تبادل المقترحات وانتظار الردود، وعمليات تسخين وتبريد الوضع دون نهاية؟!
وهل تصور الروس، أن تستمر عمليتهم العسكرية فى أوكرانيا التى كانوا يتوقعون انتهاءها خلال أيام أو أسابيع بتحقيق أهدافهم منها، لمدة أربع سنوات ونصف السنة، وأن تتحول من حرب مع أوكرانيا إلى حرب مع كل أوروبا وحلف الأطلنطى بقيادة الولايات المتحدة، وأن تنجح أوكرانيا ـ رغم احتلالهم عشرين بالمائة من مساحتها، فى تطوير أسلحتها وأدواتها والدعم العسكرى من حلفائها، حتى أصبحت الأجواء الروسية مفتوحة أمام مسيراتها وصواريخها التى وصل مداها إلى عاصمتهم موسكو، لأول مرة فى تاريخ روسيا والاتحاد السوفيتى السابق منذ الحرب العالمية الثانية؟!
السؤال هنا هو: لماذا هرع الاثنان.. ترامب وبوتين، بكابوسيهما إلى الصين تحديداً؟!
الإجابة ببساطة: طلباً لمشورة، أو استشرافاً لوساطة، أو أملاً فى دعم للتخلص من كابوسه.
الصين هى القوة العظمى الوحيدة فى العالم الآن، التى أقامت دولتها وحققت تقدمها، وصعدت من القاع إلى القمة على مدى ثلاثة أرباع قرن، منذ مطلع خمسينيات القرن الماضى حتى الآن، بالاقتصاد والسياسة والدبلوماسية، دون أن ينجح أحد فى استدراجها إلى حرب حقيقية خارج حدودها، رغم إنها تقع وسط محيط من المشاكل والصراعات والنزاعات.
الصين مدرسة النفس الطويل فى السياسة الدولية.. خبرة ثلاثة أرباع قرن فى بناء القوة، وتحقيق الأهداف خطوة خطوة بلا ضجيج، وبالقوة الناعمة، وتتعامل مع المشكلات الدولية بمرونة وحسم فى وقت واحد.
دولة تعول مليارا وثلاثمائة مليون نسمة دون أن تشكو، وتحول بلادها إلى مصنع يمد العالم كله بجميع أنواع المنتجات، وأحدث التكنولوجيا، وتحقق أعلى احتياطى نقدى أجنبى على مستوى العالم.
دولة انفصل عنها جزء منها هو تايوان عام 1949 وأعلن قائد انفصالها «جيانج كاى شيك» هذا الجزء دولة مستقلة، ونجح فى احتلال المقعد المخصص للصين الأم فى الأمم المتحدة كعضو دائم بمجلس الأمن، فإذا هى تنجح بعد 22 عاما من الكفاح السلمى فى استصدار قرار من مجلس الأمن عام 1971 بطرد تايوان، ودعوة الصين الأم لاستعادة مقعدها الشرعى بالمجلس.
المهم، أن هذا الأسبوع كشف عن باكورة نظام عالمى متعدد الأطراف، ووضع كل طرف فى حجمه طبقا للواقع الذى يعيشه، وظهرت الصين وكأنها «حكيم» هذا النظام الذى يلجأ إليه الطرفان الآخران للمساعدة فى ترتيب الأوضاع والأوراق.
علاقة أمريكا ترامب بالصين وضعها «ترامب» و «شى» على أعتاب مرحلة هدوء حذر.. صفقات تجارية.. لكن مواقف سياسية لم تتغير من جانب الصين تجاه الحرب فى إيران، فلم يخرج ترامب بجديد.. فالصين أدانت العدوان الأمريكى الإسرائيلى على إيران وتشارك الدعوة لفتح مضيق هرمز للملاحة الدولية وإنهاء الحرب.
علاقة روسيا بوتين بالصين إستراتيجية شاملة وفقا لمعاهدات واتفاقيات طويلة الأجل.. يكفى أن زيارة بوتين الحالية هى الخامسة والعشرين له منذ تولى قيادة روسيا.
وقد تكشف الأيام القادمة عن مبادرات صينية أو وساطات فى حربى إيران وأوكرانيا تدفع فى اتجاه فتح آفاق للتسوية.








