شهدت مصر منذ أيام حدثاً تاريخياً يمثل نقطة تحول فى مسيرتها التنموية، وهو افتتاح الرئيس عبدالفتاح السيسى لمشروع «الدلتا الجديدة» بمحور الشيخ زايد بمحافظة الجيزة. هذا المشروع ليس مجرد استصلاح لرقعة أرض، بل هو ملحمة وطنية جسدت قدرة الشعب والدولة على إعادة صياغة الخريطة الديموغرافية والاقتصادية للبلاد، والانتقال من الوادى الضيق إلى آفاق تنموية رحبة.
لم يكن طريق الدلتا الجديدة مفروشاً بالورود، بل كان تحديا للطبيعة والجغرافيا. تمثل التحدى الأكبر فى توفير الموارد المائية اللازمة لزراعة 2.2 مليون فدان فى منطقة صحراوية. وهنا تجلت عبقرية الهندسة المصرية عبر تجميع مياه الصرف الزراعى من محافظات الدلتا ومعالجتها معالجة ثلاثية متطورة. والأكثر إعجازاً كان نقل هذه المياه عكس الميل الجغرافى الطبيعى للأراضى حيث المتبع فى شق الترع منذ القدم ان تجرى من منطقة مرتفعة إلى أخرى منخفضة، مما استلزم تبطين مسارين «شمالى وشرقى» بطول 300 كيلومتر، وإنشاء 19 محطة رفع رئيسية «منها محطة «نبع» رقم 3»، بجانب تدشين محطات كهرباء بطاقة 2000 ميجاوات لضمان تشغيل هذه المنظومة المعقدة.
يعكس حجم الأعمال المنفذة ضخامة الاستثمار الوطنى، حيث بلغت تكلفة المشروع ما يقرب من 800 مليار جنيه، بواقع 350 إلى 400 ألف جنيه للفدان الواحد، يواكبها بنية تحتية عملاقة شملت شق طرق جديدة بأطوال تصل إلى 12 ألف كيلو متر. ولم يكن هذا الإنجاز لتنفرد به الحكومة، بل قام على شراكة حقيقية وتضافر لجهود الدولة مع القطاع الخاص، حيث تساهم 150 شركة فى الإنتاج الزراعى وحده، بخلاف مئات الشركات الأخرى فى القطاعات المساندة، تحت إشراف جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة.
تتجاوز الرؤية الإستراتيجية للدلتا الجديدة فكرة سد الفجوة الغذائية الآنية إلى تحقيق «تكامل ذكى» بين الأراضى القديمة والجديدة. فالأراضى الطينية التاريخية فى الوادى والدلتا ستحتفظ بزراعة المحاصيل التقليدية كالقمح والذرة لارتفاع إنتاجيتها هناك، بينما تركز الدلتا الجديدة على المحاصيل التى تجود فى التربة الصحراوية كبنجر السكر. هذا التخطيط العلمى يدرك تماماً واقع التجارة الدولية، فرغم صعوبة تحقيق الاكتفاء الذاتى المطلق لأى دولة نتيجة اعتبارات مناخية وبيئية خاصة فى ظل استيراد مصر لملايين الأطنان من الأعلاف والقمح، إلا أن المشروع يستهدف تقليص هذه الفجوة وتعزيز مرونة الاقتصاد القومى.
المأمول من هذا المشروع القومى لا يتوقف عند حدود الحصاد الزراعي، بل يمتد للأبعاد الاجتماعية والتنموية الشاملة، فهو يفتح الباب لإنشاء مجتمعات عمرانية وصناعية متكاملة، ويوفر نحو مليونى فرصة عمل مستدامة وحقيقية للشباب المصرى وليست مؤقتة. وللقطاع الخاص فى هذا المشروع أهمية كبيرة، فمن يقوم بالزراعة هى شركات خاصة ويتم الاتفاق معها على المحاصيل المستهدفة وفقاً للدورة الزراعية المتبعة.
إن الدلتا الجديدة، بالتوازى مع المشروعات الكبرى فى توشكي، وسيناء، والمنيا، وغيرهما تؤكد أن الطموح المصرى لا ينتهي، وأن الدولة مصممة على تحويل التحديات إلى فرص، وصناعة غد آمن للأجيال القادمة بأيدى أبنائها.









