وصلتنى رسالة من زميل عزيز تضمنت واقعة تاريخية لم أسمع عنها من قبل رغم أهميتها فى إحقاق الحق وبيان العدالة.. فهى خلصت إلى قرار تاريخى لحق العرب والمسلمين.. هذه الواقعة هى قضية حائط البراق.. وحائط البراق هو جزء من السور الغربى للمسجد الأقصى.. وهو الموقع الذى يقال إن الرسول عليه الصلاة والسلام ربط عنده البراق فى الرحلة المباركة للإسراء والمعراج أما اليهود فيسمونه حائط المبكى ويزعمون أنه آخر بقايا الهيكل الثانى ويصلون ويتعبدون عنده.. خلال العهد العثمانى كان الحائط ملكاً للأوقاف الإسلامية وسمحوا لليهود بالتعبد عنده وبشروط.. وفى عام 1929 وفى فترة الإنتداب البريطانى حدثت أهم المحطات فى تاريخ الصراع فى فلسطين بين الفلسطينيين أصحاب الأرض وأصحاب الحق وبين شراذم اليهود المهاجرين بدعم من الحركة الصهيونية.. ففى أغسطس من هذا العام قامت مجموعات يهودية بتنظيم مسيرات عند الحائط ورفعوا أعلاماً ورددوا هتافات عدوانية تدعو إلى السيطرة على المكان فتصاعدت المواجهات مع الفلسطينيين وتحولت الى اضطرابات واسعة قتل فيها 133 يهودياً و116 فلسطينياً وأصيب مئات آخرون نتيجة تدخل القوات البريطانية.. مما دعى «عصبة الأمم المتحدة» إلى تشكيل لجنة البراق عام 1930 لتحديد الوضع القانونى للحائط. رأس اللجنة قاض من سويسرا وشارك فيها عضو من السويد وعضو من هولندا وعملت اللجنة كهيئة تحقيق دولية محايدة.. وقامت بدراسة كافة الوثائق التاريخية خلال العهد العثمانى والانتداب البريطانى واستمعت لكل الأطراف وزارت القدس فى يونيه 1930 ومكثت هناك شهراً كاملاً تستمع إلى شهادات الخبراء والسكان وانتهت اللجنة إلى أن حجة المسلمين كانت هى الغالبة وأن الحائط يعد جزءاً من الحرم القدسى الشريف وملكيته تعود للمسلمين وأن زيارة اليهود للحائط ليست حقاً لهم ولكن يسمح لليهود أداء الشعائر عنده كمنحة محدودة دون إدخال أى أدوات أو ممارسات تغير الطابع التاريخى للمكان. وعقدت اللجنة جلستها الختامية فى باريس أواخر نوفمبر 1930 وأعلنوا أن «للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربى» ثم أصدر ملك بريطانيا المرسوم الملكى المعروف باسم مرسوم الحائط الغربى لسنة 1931 ونشر فى الجريدة الرسمية لفلسطين.
لم أسمع من قبل أن أثير هذا الأمر أو أشارت إليه أى دولة أو جهة.. رغم أنه بياناً لحق تاريخى طمسته المعايير المزدوجة وغير العادلة للمجتمع الدولي.. ولو كان هذا الحكم فى صالح الجماعات الصهيونية لكان قد ترجم إلى كل لغات العالم.. ونجده ينزل علينا من حنفية المياه.. تماماً كما عاش المجتمع العالمى عقوداً طويلة وهو يستمع إلى السيناريو الدرامى للفيلم الهندى التى تبثه إسرائيل عن ما عرف بالهولوكست والذى تستعطف به شعوب العالم لتقديم الدعم لها والمناصرة والرثاء والشفقة على ما أصابها.. تبكى وتولول ليل نهار فى كل مناسبة وبدون مناسبة وتلوم العالم أجمع على ما فعله هتلر بهم.. ولتبرر استيلائها على فلسطين.. واستطاعوا أن ينهبوا الأرض والديار والزرع.. ويسلبوا الحرية من وطن بأكمله.. فأصبح أسيراً على أرضه.. وللأسف نجحوا فى إدارة هذا الملف بخبث ودهاء.. واكتسبوا تعاطف دولاً كثيرة.. والتى أعمتها هذه الرواية عن رؤية الحق أو العدالة الإنسانية.
المجتمع العالمى لا يعترف بالنوايا الطيبة والصمت.. ولا يبحث عن الحق بنفسه إذا كان الحق لصالح الطرف الضعيف.. بل يجب على صاحب الحق أن يظهره.. وهذه رسالة إلى العالم العربى والإسلامى.. والذى بات مهدداً بأكمله من بطش الباطل.. لقد جاء الوقت أن نتبنى لغة واحدة نخاطب بها المجتمع العالمي.. لغة يفهمها الجميع.. فنحن أصحاب حق.. ولدينا بالفعل كل ما يمكن أن يؤيد هذا الحق من براهين وأدلة.. ويجب أن نخاطب العالم بمنطق العلم وحقائق التاريخ. فالحق قد يحتاج أن يفرض بالكلمة تماماً كما يؤخذ بالسلاح أحياناً أخرى .









