«لقد كان السخط حقيقيًا، وكان معظمه تعبيرًا طبيعيًا عن الغضب إزاء السلسلة القاتلة من الأخطاء التى وقعت»..تستمر جولدا فى اعترافاتها نحو المجتمع اليهودى، والتعبير عن حجم الغضب العارم نتيجة الأخطاء الاستراتيجية عسكريًا وسياسيًا وأمنيًا من جانب حكومتها وجيشها وأجهزتها الاستخباراتية تجاه الشعب اليهودي، وهى تبرر شعور الغضب العام، وتصفه بـ«الطبيعى» نظرًا للهزيمة التى مُنٍى بها جيش الدفاع، والحكومة، والكيان بأكمله، وتزايد جولدا على مطالب الشعب اليهودى بعد هزيمة كيبور، فتقول: «لم تكن استقالتى أو استقالة ديان هى المطلوبة فى هذه العاصفة من الاحتجاجات»..هل من الطبيعى عزيزى القاريء أن يثور شعب بكافة طوائفه، وجميع أحزابه، وكافة كياناته على الحكومة والجيش لأن الدولة أو الكيان انتصر؟! أم لأن الحقيقة التى لا يشوبها أدنى شك هي: أن الدولة اليهودية، وحكومتها، وجيشها، بل وشعبها قد إنهزموا جميعهم من المصريين!.
وتعترف جولدا عن النتائج المجتمعية والسياسية لهزيمة كيبور، وهى أن الشعب العبرى لم يعد يثق ليس فى حكومته وجيشه ـ وفقط ـ بل فى هذا الجيل بأكمله، وتعترف: «لقد كان المطلوب أن يزال من على المسرح كل من كان مسئولًا عمّا حدث» وهنا تستحى جولدا من ذكر الهزيمة، التى يبدوا وأنها قد كررتها كثيرًا فى اعترافاتها، ولكننى لست فى حاجة لأن أذكرها بترك استحيائها ذلك لأنها من البداية قد عنونت هذا الفصل ضمن توثيقها لحياتها وتاريخها بمفرده لن ينساها التاريخ والحاضر، ولن تنمحى من المستقبل إنها «الهزيمة» فسواء قالت جولدا «ما حدث» أو قالت «الأحداث الماضية» ففى النهاية هى قد عنونت توثيق اعترافاتها بمفردة «الهزيمة» وما سخط الشعب العبري، وماج وهاج لنصر بل لهزيمة، وهزيمة مُذلة.
تعترف جولدا بأن الشعب العبرى أراد تغيير جيلها بأكمله، كرد فعل لهزيمة كيبور: «أن نبدأ من جديد بأناس جدد» وتصف فى اعترافها عن الجيل المنشود ليعالج آثار الهزيمة: «أناس أصغر سنًا لم يُوصموا بتهمة تضليل الأمة»..وربما كان أبلغ اعتراف تضمن توصيف حكومة حرب كيبور بدقة متناهية، كانت مفردة «التضليل» نعم، كانت السياسة الممنهجة داخليا وخارجيا لحكومة الكيان هى تضليل الرأى العام العالمى وأيضًا الداخلي، فهم لا يجيدون سوى الكذب «!».
وتعود جولدا مرة أخرى تحاول تجنب مفردة «الهزيمة» وإبدالها بمفردات موازية لكنها تحمل من التورية والمواراة ما يجنبها ذكر مفردة «الهزيمة» مرة أخرى،فتقول: «كانت المسألة رد فعل للموقف المتطرف الذى كنا فيه» فتصف «الهزيمة» بـ «الموقف المتطرف» وتصف «ثورة» الشعب العبرى بـ«المسألة» هى تحاول أن تتجمل من مرارة وقبح واقعها المُذل بما تجيده وتعرفه وهو المناورة والإلتفاف حول الحقائق «!».
لكن اللفظ الأعظم والذى استخدمته جولدا استجداء لمشاعر شعبها العبرى كان «مأساة وطن» وتجلى هذا واضحًا ومباشرًا فى اعترافها: «لكن جانبًا من هذا الانفجار كان شريرا، وكان الجانب الآخر ديماجوجيا، أو كان ببساطة يتخلص فى تكوين رصيد ورأسمال سياسى بركوب موجة المعارضة لمأساة وطن».. هى ترى فى انقلاب الشعب على حكومتها وجيشها أنه «انفجار» وتزيد فى وصف هذا الانفجار بالفعل الشيطانى «الشرير» وتذهب لدغدغة عواطف الشعب اليهودى بطرح فكرة «مأساة وطن» بديلا عن فكرة «الهزيمة» التى تخطت كونها هزيمة عسكرية إلأى كونها مأساة لعموم الشعب اليهودي، حتى تقطع الطريق على منافسيها من استغلال مأساة الوطن وهزيمة الجيش من النيل من مكاسبها السياسية.









