تشهد الثقافة العديد من الملفات الساخنة، ليس الآن فقط، بل منذ مراحل سابقة عديدة، مثل ملف القيادات الفنية، والنصوص، والعروض المقدمة، وطبيعة النقد، والمهرجانات والمشاركات الدولية. ويأتى ملف دور العرض موضوع مقالنا اليوم.
وتُعد إشكالية دور العرض من القضايا المزمنة والعاجلة والحتمية فى الوقت نفسه. وبالنظر إلى الكثافة السكانية والتعداد السكانى فى مصر، نجد أن عدد دور العرض قليل جدًا ومحدود مقارنة بعدد السكان، خاصة بعد خروج عدد من دور العرض من الخدمة وتحويلها إلى منافع أخري، دون استبدالها بدور عرض جديدة أو بديلة.
وهذا الأمر يشكّل أزمة كبيرة للعروض التى يتم إنتاجها، خاصة مع التباطؤ فى إنجاز دار العرض التى يتم تشييدها فى شارع عماد الدين (مسرح مصر)، والتى انتهى بناؤها بنسبة كبيرة، ولا ندرى لماذا لم يتم افتتاحها حتى الآن. ويضاف إلى ذلك عمليات الترميم والإحلال لبعض المسارح الأخري، مثل مسرح بيرم التونسى بالإسكندرية، ومسرح جمصة الصيفي، ومسرح 15 مايو، وغيرها.
وهنا يطرح السؤال نفسه: لماذا لا تكون هناك خطة لبناء دور عرض مسرحية جديدة فى أكثر من موقع ومكان على مستوى عواصم الجمهورية، بحيث يتناسب عددها مع التعداد السكاني؟ ولماذا لا يتم طرح أفكار جديدة خارج الصندوق؟
فعلى سبيل المثال، يمكن إنشاء مسارح كبيرة وقاعات عرض صغيرة أسفل الكباري، مع إنشاء مكتبات وأنشطة ثقافية متعددة على غرار ساقية الصاوي. ويمكن أن يوفر هذا المشروع ما لا يقل عن ألف دار عرض، تغطى محافظات الجمهورية المختلفة، بل ويمكن أن تغطى القاهرة الكبرى وحدها – القاهرة والجيزة والقليوبية – أكثر من ألف دار عرض ما بين الكبيرة والصغيرة، إلى جانب الأنشطة الثقافية الموازية.
بل يمكن أن نذهب أبعد من ذلك بطرح سؤال آخر: لماذا لا تُقدم عروض البيت الفنى للمسرح وعروض البيت الفنى للفنون الشعبية والاستعراضية على مسارح الهيئة العامة لقصور الثقافة المنتشرة بكثرة فى مختلف المحافظات، والتى لا تعمل بشكل منتظم طوال العام؟
إن أزمة دور العرض أزمة كبيرة، لكن حلولها ليست مستحيلة، بل يمكن أن تكون سهلة ويسيرة. ويمكن أن يشارك فى هذه الجهود رجال الأعمال والمجتمع المدني، من خلال دعم العمل الثقافي، لأن الأنشطة الثقافية والفنية والمسرحية تلعب دورًا كبيرًا فى التثقيف والتعليم والتهذيب وبناء الوجدان.
كما أنها تمنح الفرص الكاملة للبراعم والشباب لشغل أوقات فراغهم، واكتشاف مواهبهم، وممارسة الفنون بكافة أشكالها، وهو ما يسهم فى محاربة الانحراف، والابتعاد عن المخدرات، ونبذ العنف والبلطجة.
التوسع فى إنشاء دور العرض يعزز أيضًا من العمليات الإنتاجية المسرحية، إلى جانب الفنون الأخرى مثل السينما والغناء وفنون الرقص والاستعراض والفنون التشكيلية. ومن هنا يصبح العمل الجاد والمتواصل لحل مشكلة النقص الكبير فى دور العرض – بشكل عام، ودور العرض المسرحى بشكل خاص – ضرورة ملحة.
وهذا يقودنا إلى مشكلة أخرى لا تقل خطورة، بل وصلت إلى حد المرض المزمن، وهى مربع مسارح العتبة الذى يضم مسارح القومى والطليعة والعرائس، حيث تحيط بها أعداد كبيرة من الباعة الجائلين فى مشهد مزعج، حتى يكاد المرء يقول إنهم على وشك الدخول إلى داخل المسارح نفسها!
إن الشكل العام للمكان أصبح ومسيئًا لروح الجمال فى محيط هذه المسارح، ويعطى صورة غير لائقة، خاصة إذا كان هناك وفد فى زيارة لهذه المسارح. وهى قضية دولة تستوجب تدخل المحافظة والجهات المعنية لإيجاد حلول عاجلة لمجمع مسارح العتبة.. وأرى أن إشكالية دور العرض، والعمل على زيادتها وتطويرها، تمثل قضية أمن قومى ثقافي، لأن الأمن الثقافي، وأمن الفنون عمومًا، وأمن المسرح خصوصًا، هو جزء أساسى وفاعل من منظومة الأمن القومي.
ونعود لنؤكد بإلحاح أن عدد دور العرض المسرحى لا يتناسب إطلاقًا مع عدد سكان مصر. فالقوة الناعمة الحقيقية تقوم على وجود روافد متعددة من المسارح ودور العرض التى تقدم المنتج الفنى بشكل منتظم ودون تعثر.. ومن هنا نؤكد أهمية الاهتمام بدور العرض كافة، ودور العرض المسرحى خاصة، من خلال تفعيل الموجود، وبناء دور عرض جديدة، فهناك أماكن ومواقع كثيرة يمكن تحويلها بسهولة إلى دور عرض.
وإلى ملف جديد ننتظره…
والله المستعان.









