إلى استغلال الهشاشة الأمنية والأزمات السياسية والنزاعات الممتدة
مواجهة التطرف تتطلب مقاربة شاملة عبر تعزيز الوعى الرقمى لدى الشباب
خلال الأيام الحاضرة برزت مجموعة قضايا مُلحّة ومؤشرات ميدانية، تنوعت بين تداعيات النزاعات المسلحة، وتحركات التنظيمات الإرهابية الساعية إلى إعادة فرض حضورها رقميًا وميدانيًا، فضلًا عن رصد التحديات المتزايدة المرتبطة بخطاب الكراهية و«الإسلاموفوبيا»، وما يقابلها من جهود رسمية ومجتمعية لحماية الحقوق والحريات.
يتشكل المشهد العالمى عبر ثلاثة محاور رئيسية تعكس أبرز ملامح الواقع الدولى الراهن، وتسلّط الضوء على التحديات الأمنية والفكرية والاجتماعية الأكثر تأثيرًا.
لا تزال منطقة الشرق الأوسط وتفاعلاتها السياسية والأمنية تحتل صدارة الاهتمام الدولى، فى ظل استمرار الحرب وتداعياتها الإنسانية والسياسية، حيث تبرز القضية الفلسطينية باعتبارها أحد أبرز المحركات للوعى الحقوقى والإنسانى عالميًا، بالتوازى مع محاولات بعض التنظيمات المتطرفة استثمار حالة الاضطراب الإقليمى لإعادة إنتاج خطابها العنيف وتوسيع دوائر تأثيرها.
فلسطين والأروقة الأوروبية
تشهد جهود دعم القضية الفلسطينية تصاعدًا ملحوظًا داخل الأوساط الأوروبية؛ إذ أسهم التحول اللافت فى الموقف المجرى فى دفع الاتحاد الأوروبى نحو فرض عقوبات جديدة استهدفت مستوطنين إسرائيليين متورطين فى انتهاكات بحق الفلسطينيين.
وعلى الصعيد الرياضي، برزت مشاهد تضامن إنسانى لافتة خلال احتفالات تتويج نادى برشلونة بالدورى الإسباني، حيث رفع اللاعب الشاب لامين يامال العلم الفلسطيني، فى موقف رمزى عبّر عن تضامنه مع الشعب الفلسطيني.
الأولويات الأمنية
أعاد الإعلان الرسمى الصادر عن البيت الأبيض بشأن الإستراتيجية الأمريكية الجديدة لمكافحة الإرهاب تشكيل ملامح الأولويات الأمنية فى الشرق الأوسط؛ إذ صنّفت الوثيقة إيران بوصفها أحد أبرز مصادر التهديد الإقليمي، باعتبارها الداعم الرئيس لشبكات الوكلاء المسلحين فى المنطقة، وتتضمن الإستراتيجية الجديدة التوسع فى استخدام الأدوات العسكرية والاستخباراتية لتأمين الممرات المائية الحيوية، لا سيما فى البحر الأحمر ومضيق هرمز، وضمان أمن الحدود والمصالح الأمريكية، كما تعكس تحولًا فى المقاربة الأمريكية تجاه المنطقة، مع تراجع مركزية الشرق الأوسط فى معادلة الطاقة الأمريكية، مقابل التركيز بصورة أكبر على احتواء التهديدات العابرة للحدود والشبكات المسلحة غير التقليدى.
خارطة التطرف فى العالم
لا تزال التنظيمات المتطرفة تسعى إلى استغلال الهشاشة الأمنية والأزمات السياسية والنزاعات الممتدة لتثبيت وجودها وإعادة بناء شبكاتها، مستفيدة من تداخل أنشطتها مع الجريمة المنظمة والاقتصادات غير المشروعة. وفى المقابل، تتواصل الجهود الأمنية الإقليمية والدولية لتجفيف منابع الإرهاب وملاحقة تحركاته ميدانيًا ورقميًا، بما يحدّ من قدرته على إعادة التموضع والتمدد.
سوريا.. مؤشرات عودة النشاط الإرهابى
تشهد الساحة السورية حالة من الترقب الأمنى فى ظل عودة بعض بؤر التوتر، بعد إعلان تنظيم داعش مسئوليته عن هجوم استهدف حافلة عسكرية فى ريف الحسكة، وأسفر عن مقتل جنديين من الجيش السورى وإصابة آخرين، فى مؤشر يعكس استمرار قدرة التنظيم على تنفيذ عمليات نوعية رغم الضربات الأمنية والعسكرية التى تعرض لها خلال السنوات الماضية، بما يؤكد استمرار وجود بيئات أمنية هشة وصراعات ممتدة تمنحه فرصًا لإعادة التموضع واستغلال الثغرات القائمة.
وفى العراق.. عودة الخلايا اللامركزية
أعاد تنظيم داعش تنشيط فى العراق بعض خلاياه اللامركزية داخل عدد من المناطق، مستهدفًا مواقع أمنية فى محافظتى كركوك وديالي، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى فى صفوف القوات الأمنية العراقية، وتشير التقديرات الأمنية إلى أن التنظيم لم يعد يمتلك القدرة على فرض سيطرة جغرافية واسعة كما كان فى السابق، إلا أنه بات يعتمد على استراتيجية حرب الاستنزاف والخلايا الصغيرة المتحركة، مستفيدًا من الطبيعة الجغرافية المعقدة، والخلافات السياسية.
السودان.. تصعيد ميدانى وتعقيدات إقليمية
يشهد السودان تصعيدًا عسكريًا وإنسانيًا متسارعًا نتيجة استمرار المواجهات بين الجيش السودانى وقوات الدعم السريع، خاصة فى إقليمى كردفان ودارفور، وسط تحركات عسكرية متبادلة تنذر باتساع نطاق الاشتباكات، وقد تجلّى هذا التصعيد فى ضربات جوية باستخدام الطائرات المسيّرة استهدفت مواقع لقوات الدعم السريع فى مدينة نيالا، بالتزامن مع تصاعد الضغوط الداخلية على صفوفها عقب انشقاق القيادى الميدانى البارز المعروف بـ»السافنا». وفى المقابل، يدفع المدنيون الثمن الأكبر، لا سيما مع استمرار القصف المدفعى على مدينة الدلنج، والذى أسفر عن سقوط ضحايا من المدنيين، بينهم نساء وعاملون فى المجال الإنساني.
وعلى المستوى الإقليمي، تصاعدت حدة التوترات الدبلوماسية عقب اتهام السودان لإثيوبيا بالضلوع فى هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مطار الخرطوم ومناطق أخري، وهو ما نفته أديس أبابا، ويؤدى استمرار التدخلات الإقليمية وتبادل الاتهامات بين الأطراف الفاعلة إطالة أمد الصراع وتحويل السودان إلى ساحة مفتوحة للتجاذبات الإقليمية والدولية، بما يفاقم معاناة المدنيين ويهدد أمن واستقرار المنطقة بأسرها.
نيجيريا عمليات نوعية ضد التنظيمات المسلحة
نفذت القوات المسلحة فى نيجيرياعمليات أمنية نوعية أسفرت عن مقتل العشرات من عناصر تنظيم «داعش غرب إفريقيا»، إلى جانب استسلام نحو ألف عنصر من مقاتلى التنظيم وجماعة بوكو حرام، فى إطار جهود حكومية مكثفة لمواجهة تصاعد الأنشطة المسلحة ومحاولات زعزعة الاستقرار، بما فى ذلك عمليات الاختطاف التى استهدفت طلابًا فى وسط البلاد.
وفى مالي..أعلنت الحكومة موقفًا حاسمًا برفض فتح أى قنوات تفاوض مع الجماعات الإرهابية، بالتزامن مع تنفيذ القوات الجوية ضربات مركزة استهدفت مواقع للمتطرفين فى مدينة غاو، ضمن جهود تعزيز السيطرة الأمنية ومواجهة التهديدات المتصاعدة.
وفى النيجر اضطرت السلطات إلى إخلاء مناطق سكنية مجاورة لمطار نيامي، فى إطار إجراءات أمنية مشددة عقب تصاعد هجمات تنظيم «داعش فى ولاية الساحل»، فى محاولة لتأمين المنشآت الحيوية والحد من التهديدات المحتملة.
بينما فى الكونغو والصومال تفاقمت الأوضاع الإنسانية نتيجة هجمات دامية متفرقة نُسبت إلى «قوات التحالف الديمقراطية»، واستهدفت المدنيين فى عدد من المناطق، أما فى الصومال، فقد شهدت المناطق الحدودية مع كينيا هجومًا مسلحًا نفذته حركة الشباب، أسفر عن سقوط قتلى ومصابين، فى استمرار للتهديدات الأمنية العابرة للحدود التى تمثلها الحركة.
فى دولة الإمارات العربية المتحدة، تم إدراج 16شخصًا وخمس مؤسسات لبنانية مرتبطة بحزب الله على قوائم الإرهاب المحلية، فى إطار جهود مكافحة تمويل الإرهاب وتعقب الشبكات المرتبطة به، وفى المغرب، نجحت الأجهزة الأمنية فى توقيف عنصر موالٍ لتنظيم داعش بمدينة الداخلة، قبل تنفيذ مخططات تخريبية كانت تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار.
واذا انتقلنا إلى أوروبا فقدأحبطت أجهزة الأمن الفرنسية مخططًا إرهابيًا استهدف كنيسًا يهوديًا ومتحف اللوفر فى باريس، وأوقفت شابًا تونسيًا على خلفية التحقيقات، ما دفع السلطات إلى تعزيز إجراءات التأهب الأمني، خصوصًا مع اقتراب مناسبات دينية خلال شهر مايو، بينما فى إسبانيا أصدرت السلطات القضائية أحكامًا بالسجن بحق امرأة بتهمة التلقين الذاتى لأفكار تنظيم داعش عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما أيدت المحكمة الأوروبية قرار ترحيل مشتبه بارتباطه بالتنظيم، فى إطار تعزيز التدابير الرامية إلى حماية الأمن العام، وتأتى هذه الإجراءات بالتزامن مع تصعيد النشاط الدعائى الرقمى لتنظيم «القاعدة فى شبه الجزيرة العربية»، الذى كثّف نشر محتوى تحريضى يستهدف ما يُعرف بـ»الذئاب المنفردة» لحثّها على تنفيذ هجمات داخل المجتمعات الغربية.
أما باكستان فقد شهدت أسبوعًا أمنيًا مضطربًا عقب تنفيذ هجوم انتحارى استهدف عناصر الشرطة فى منطقة «بنو»، وأسفر عن مقتل 15 عنصرًا أمنيًا، كما نفذت حركة طالبان باكستان هجومًا استهدف شاحنة لنقل الأموال، تخلله الاستيلاء على ملايين الروبيات واختطاف عدد من عناصر الإسعاف، وأعقب ذلك تنفيذ عمليات أمنية مكثفة من قبل إدارة مكافحة الإرهاب، أسفرت عن مقتل تسعة عناصر إرهابية وتوقيف آخرين، فى إطار جهود احتواء التصعيد الأمني.
الهند.. تحديات متصاعدة ومبادرات للحماية
تواجه الأقليات المسلمة فى الهند تحديات اجتماعية متزايدة فى ظل أجواء الاستقطاب الدينى المصاحبة للانتخابات البرلمانية، وسط تحذيرات حقوقية من تنامى مظاهر «الإسلاموفوبيا» فى بعض الولايات، وعلى رأسها ولاية أوتار براديش، نتيجة اعتداء علنية ارتكبتها جماعات هندوسية متشددة ضد شبان مسلمين، إلى جانب تداول محتوى تحريضى ومقاطع مصورة تتضمن دعوات إقصائية وتحريضًا على التمييز الاجتماعي، من بينها دعوات لمنع المسلمين من المشاركة المجتمعية الطبيعية، بما فى ذلك مشاركة الطعام، وشهدت الهند مؤشرات إيجابية؛ إذ ألغت ولاية كارناتاكا رسميًا قرار حظر الحجاب داخل المؤسسات التعليمية، كما أطلقت جمعية حماية الحقوق المدنية منصة إلكترونية متخصصة لرصد وتوثيق جرائم الكراهية ضد الأقليات، بهدف تعزيز التوثيق المستقل وسد الفجوات المتعلقة بمتابعة تلك الانتهاكات.
فرنسا.. جدل الهوية والدين
شهدت فرنسا نقاشًا سياسيًا واجتماعيًا واسعًا عقب نشر منصة التوظيف الحكومية الرسمية إعلانات لتعيين أئمة للمساجد، الأمر الذى أثار جدلًا استغلته بعض تيارات اليمين المتطرف لتوجيه انتقادات إلى المؤسسات الإسلامية والتشكيك فى العلاقة بين الممارسات الدينية ومبادئ العلمانية، وأبدت مؤسسات إسلامية، إلى جانب عميد مسجد باريس الكبير، مخاوف من مشاريع قوانين تُطرح تحت شعار مكافحة «التغلغل الإسلاموي»، خشية أن تفرض قيودًا قد تمس بعض الحريات الدينية والشخصية، أو تؤثر فى قضايا الأحوال الشخصية والزواج، ورغم هذه الأجواء المتوترة، حرصت الدولة الفرنسية على إحياء ذكرى الجنود المسلمين الذين شاركوا فى الدفاع عنها، كما شهدت الساحة الفرنسية نقاشات متجددة حول الاعتراف باللغة العربية بوصفها مكوّنًا ثقافيًا حاضرًا، فضلًا عن قضايا الاندماج والتنوع المجتمعي.
بينما تواصل إسبانيا اتخاذ خطوات مؤسسية لمواجهة مظاهر «الإسلاموفوبيا» الرقمية والميدانية؛ إذ تنظر المحاكم فى عدد من القضايا المتعلقة بنشر خطاب كراهية ورسائل عنصرية تستهدف المسلمين عبر منصات التواصل الاجتماعي، كما قضت محكمة فى إشبيلية بسجن رجل وجّه عبارات عنصرية معادية لممرضة فلسطينية، فى خطوة تعكس تشددًا قضائيًا تجاه جرائم التمييز والكراهية، كما عززت حكومة كتالونيا هذه التوجهات بإصدار دليل رسمى يدعو إلى تنقية الخطاب السياسى والإعلامى من المصطلحات غير الدقيقة التى تربط الإسلام بالإرهاب، بما يسهم فى الحد من الصور النمطية السلبية وتعزيز الخطاب المسئول.
وفى النمسا أثار تصاعد الخطابات السياسية المتعلقة بالهجرة والهوية الوطنية، والتحذيرات من نشوء «مجتمعات موازية»، نقاشات واسعة، بشأن حدود الحريات الدينية وطبيعة حياد الدولة، وفى المقابل، تؤكد أطروحات حقوقية وصحفية أن الحياد الحقيقى للدولة يقتضى عدم التمييز بين الأفراد على أساس معتقداتهم الدينية، مع ضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية داخل الفضاء العام والمؤسسات التعليمية باعتبارها حقًا إنسانيًا أصيلًا.
ختاما..هذه التحديات الراهنة التى تهدد السلم والاستقرار العالميين — سواء تمثلت فى تصاعد الأنشطة الإرهابية، أو فى تنامى خطابات الإقصاء والتمييز والكراهية الموجهة ضد الأقليات — تمثل تحديات مركبة لا يمكن التعامل معها بالحلول الأمنية التقليدية وحدها.
فمواجهة التطرف تتطلب مقاربة شاملة تجمع بين البعد الأمنى والفكرى والاجتماعي، عبر تجفيف البيئات الحاضنة للأفكار المتطرفة، والتصدى لخطابات التحريض والتشويه، وتعزيز الوعى الرقمى لدى الشباب، إلى جانب ترسيخ قيم المواطنة والعيش المشترك واحترام التعددية.









