تعيش أمريكا وإيران فترة «اللاحرب واللاسلم»، فلا المواجهات العسكرية انتهت ولا تواصلت، إنما هى استراحة محارب دون تحديد موقف، بعد عدم الحسم فى جولة الاقتتال، فلا واشنطن حققت أهدافها ولا طهران تقر بهزيمة، ولم تستسلم بل وتريد أن تفرض شروطها، وفى يقينى أن كلا الطرفين يبحثان عن مخرج لحفظ ماء الوجه، وهذا المخرج لم يجداه فى المفاوضات التى استضافتها باكستان لعدة جولات، معظمها غير مباشر بتبادل الرسائل بالشروط والتشدد «الظاهري»، لعدم التوصل إلى صيغة ترضى الطرفين، وأهمها إعلان المنتصر والخاسر، والمؤكد أن كلا منهما يريد أن يبدو المنتصر ولو بشكل «صوري»، ولا يعترف بالهزيمة ولو ضمنا، وهنا تكمن الأزمة التى يبحث الجميع لها عن «صيغة» مناسبة، وهو ما لم يجد له الوسطاء ولا الأطراف سبيلا، لأنه شبه المستحيل.
وقد أصبح من الصعب تقديم تنازلات، ويرى الخبراء أن استئناف الحرب لن يأتى بنتائج أفضل بعد الخسائر الكبيرة للطرفين والتى تفوق ما تم إعلانه، وأظن أن العقدة التى تضعها أمريكا وإيران فى المنشار هى فقط هذه الصيغة «الغائبة»، لأنهما لا يريدان الحرب، ويتمنيان الخروج منها والاكتفاء بما جرى.
ومن قبيل استعراض العضلات للترهيب، والتلويح بالتهديد بالتصعيد، يأتى تصريح الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ضمن سياق تصريحاته التى لا تتوقف وأحيانا تتعارض مع بعضها، ويقول إنه لم يكن يرغب فى وقف النار ولكنه فعل ذلك كخدمة لباكستان، وعلى إيران أن تحذر منه، وألمح عبر منصة «تروث سوشيال»، إلى أن هذا الوقت هو هدوء ما قبل العاصفة، ومع المنشور صورة له وخلفه عاصفة كبيرة وسفن حربية، فى إشارة إلى قرب التحرك العسكري، وأن صبره يوشك على النفاد، وأن واشنطن لا تريد امتلاك إيران سلاحا نوويا، وتطالب بإعادة فتح المضيق، ملوّحا بشن هجمات جديدة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.
ترامب الذى أشعل الحرب التجارية مع الصين، وجعل العلاقات معها تصل إلى أسوأ حالاتها، ذهب بنفسه فى زيارة لبكين، فى هذه الظروف، وما يدل ذلك إلا عن البحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه، خاصة بعد استنزاف 29 مليار دولار من الخزينة الأمريكية، والنقص فى المخزونات العسكرية، وتشدد شروط طهران فى التفاوض ، وأهمها إدارة مضيق هرمز دون اتفاق نووى.
وفى المقابل لا أعتقد أن إيران تتحمل تدمير المزيد من البنية التحتية والخسائر التى منى بها الاقتصاد الهش والمشاكل الداخلية، بغض النظر عن التصريحات العنترية القديمة المتجددة، خاصة وأن الرئيس الصينى ذكر لترامب أن بلاده لن تقوم بتسليح إيران ونفت قبل ذلك تقديم أى مساعدات عسكرية لها، بينما كشفت استخبارات «الناتو» عن مفاجأة حول ترسانة إيران وأنها قادرة على خوض حرب طويلة مع أمريكا لشهور أخري، وتحتفظ بمعظم قدراتها الصاروخية تحت الأرض، و90 % من مواقع الإطلاق والمستودعات العسكرية أصبحت صالحة جزئيا أو كليا للعمل.
ورغم ذلك لم يتم إغلاق باب «التهدئة» بشكل نهائي، وكشفت مصادر أوروبية عن قيام عدد من الدول ببحث مقترح لاتفاق عدم اعتداء، وصياغة واقع لمرحلة ما بعد الحرب، ونزع فتيل التوتر، بما يمهد لاستقرار مستدام بضمانات تمنع اندلاع المواجهات، وأعرب رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، عن آمله فى عقد جولة ثانية من المفاوضات المباشرة، وأنه متفائل بإمكانية إحلال سلام دائم بين أمريكا وإيران.
لكن فى المقابل، لا تريد الدولة الصهيونية أن يعم السلام، وكالمعتاد تنفخ فى النار لتشعل الحرب من جديد، وقالت وسائل إعلام عبرية إن جيش الاحتلال رفع مستوى التأهب إلى أقصى درجة تحسبا لتجدد الحرب.
أما الاقتصاد العالمى المريض، فقد تلقى لكمة جديدة بعد مواجع الحرب الروسية الأوكرانية، وأزمة الطاقة تشتد، والشلل أصاب خطوط الطيران والسفر، وتأثرت سلاسل الغذاء، وهذا ما يؤدى إلى رغبة عالمية فى إنهاء الصراع بأسرع وقت.









