عاش الشارع المصري مؤخرًا على وقع قرارات صعبة، تمثلت في خطط تخفيف الأحمال وإطفاء إنارة بعض الشوارع والمحاور الرئيسية لترشيد الاستهلاك، بالتوازي مع تحريك أسعار شرائح الكهرباء. هذه الإجراءات، وإن كانت تهدف إلى تخفيف الضغط عن الموازنة العامة، إلا أنها أثارت تساؤلات ملحة حول البدائل المتاحة.
ويؤكد الخبراء أن الحل الحقيقي والجذري يكمن في ضرورة الوصول إلى المواطن البسيط وتغيير وعيه بالكامل نحو كفاءة الطاقة، والتوجه بكل قوة إلى استغلال الطاقة الشمسية مع وضع حوافز مادية وتشريعية ملموسة؛ لأنه السبيل الوحيد لجعل الأفراد العاديين مقبلين بالفعل على هذا التحول، مما يقلل العبء عن كاهل الدولة ويمنع استنزاف العملة الصعبة في استيراد الوقود الأحفوري.
الأرقام تتحدث
يقول الدكتور محمد الخياط، رئيس هيئة الطاقة المتجددة السابق: «تتحرك الدولة المصرية وفق استراتيجية قومية طموحة تهدف إلى الوصول بنسبة الطاقة المتجددة إلى 42% من جملة الطاقة المنتجة بحلول عام 2030م».
ويوضح “الخياط” بالأرقام حجم الطفرة التي تحققت في المشروعات الكبرى بفضل دخول القطاع الخاص كشريك أساسي وتفعيل القانون رقم 203 لعام 2014 لتنظيم العلاقة بين الدولة والمستثمرين؛ حيث خصصت مصر 43 ألف كيلومتر مربع لمشروعات الطاقة المتجددة.
وتتصدر أسوان المشهد حاليًا كعاصمة للطاقة المتجددة من خلال مجمع “بنبان 1” الذي يضم 32 مشروعًا بإجمالي قدرات 1465 ميجاوات، وشهد مشاركة 187 تحالفًا دوليًا ووفر أكثر من 10 آلاف فرصة عمل، وكذلك مشروع “بنبان 2” الذي يستهدف أن يضخ قدرات تصل إلى 1000 ميجاوات إضافية بنهاية العام الحالي 2026.
هذا بالإضافة إلى مجمع “كوم أمبو” الذي تستهدف قدراته الاستيعابية الوصول إلى 5000 ميجاوات، بخلاف مجمع “الزعفرانة” لطاقة الرياح بالسويس بقدرة 540 ميجاوات، والقدرات الشمسية الحالية بالشبكة التي تتخطى 330 ميجاوات، و2000 ميجاوات أخرى قيد التشغيل والربط.
“تيراميد”.. من الحلم الدولي إلى حقيقة الشارع
رغم الطفرة العملاقة في المشروعات القومية، يرى الدكتور عماد عدلي، المنسق العام للشبكة العربية للبيئة والتنمية (رائد)، أن التوجه السياسي والدولي للدولة يظل منقوصًا ما لم يصل إلى المواطن العادي في حياته اليومية، وهنا يبرز الدور المحوري للمجتمع المدني والمؤسسات الدولية.
حيث يؤكد د. عدلي أن المواطن البسيط والمجتمع المدني هما القوة الفاعلة التي تملك تحويل حلم المبادرات الدولية الكبرى مثل مبادرة “تيراميد” (TeraMed) التي تقودها الشبكة -والتي تستهدف دعم الانتقال العادل إلى الطاقة المتجددة في منطقة حوض البحر الأبيض- إلى واقع ملموس على الأرض.
ويضيف د. عدلي: «نحن نزيد سكانيًا بمعدل لا يقل عن 2 مليون نسمة كل عام، وهو ما يعني طلبًا متزايدًا وشرسًا على الطاقة في كل مناحي الحياة؛ فلا توجد صحة أو رياضة أو تنمية بدون طاقة. دور المجتمع المدني هنا هو قيادة حركة مجتمعية شاملة لتذليل كافة العقبات، وتبني نماذج تمويلية تشرك الأفراد القادرين وتدعم غير القادرين بالتعاون مع شركات الطاقة، لتأمين إمداداتنا بعيدًا عن الأزمات السياسية الاقتصادية التي تجتاح العالم».
من المشروعات الكبرى إلى سطح المواطن: أين الحلقة المفقودة؟
ويوضح الدكتور محمد الخياط، الرئيس السابق لهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة، أن من أبرز مزايا الطاقة المتجددة هي إمكانية تفتيت القدرات؛ حيث يمكن لمشروع صغير يتكون من خلية شمسية واحدة أن يحول بيت أسرة بسيطة إلى مشروع إنتاجي رائع يحل أزمات الإنارة سكنيًا وتجاريًا وزراعيًا.
ولتحقيق ذلك على أرض الواقع، عملت الهيئة على إطلاق منصة “شمس مصر” الرقمية لتعريف المواطنين بأنظمة الخلايا الشمسية الصغيرة والشركات المعتمدة المؤهلة للتركيب، مؤكدًا أن هناك تسهيلات بنكية حقيقية مقدمة بدعم من البنك المركزي لتذليل العقبات التمويلية أمام الملاك والمستثمرين الصغار.
عداد الخدمات هو البداية
وفي مواجهة العبء المالي المباشر على المواطنين، تطرح المهندسة عزة شعبان، رئيس وحدة الطاقة المستدامة بالشركة القابضة لكهرباء مصر، حلاً ذكيًا ومباشرًا يمكن تطبيقه فورًا في العمارات السكنية لإنارة المداخل، وتشغيل المصاعد، ومضخات المياه المشتركة، وذلك عبر تحويل تلك الخدمات لتعتمد على محطة طاقة شمسية مستقلة.
وتؤكد المهندسة عزة بالأرقام أن تحويل عداد الخدمات إلى محطة شمسية أعلى سطح العقار يتكلف حاليًا ما بين 18,000 إلى 22,000 جنيه لكل كيلووات. وبحسبة بسيطة، فإن محطة صغيرة بقدرة 5 كيلووات كافية تمامًا لتغطية أحمال الخدمات لعمارة تضم من 10 إلى 15 شقة سكنية؛ وبتوزيع هذه التكلفة البسيطة على السكان سيلغى بند فاتورة الخدمات الشهرية تمامًا من ميزانية الأسر.
واستشهدت بنجاحات سابقة لوزارة الكهرباء عبر مبادرة “شمسك يا مصر” التي نفذت 150 محطة شمسية بقدرة 8 ميجاوات، ومشروع الخلايا الصغيرة الذي دشّن نحو 250 محطة سكنية وتجارية حتى الآن.
حوافز للجميع
ومن جانبه، يرى المهندس أيمن هيبة، رئيس شعبة الطاقة المستدامة بالغرفة التجارية بالقاهرة، أن القانون رقم 2 لسنة 2023 قدّم حوافز ممتازة لجذب المستثمرين والشركات، ولكن الفجوة الحالية تتطلب “مساواة في المراكز القانونية” تمنح حوافز تشجيعية وتسهيلات مباشرة للمواطن العادي لتشجيعه على ربط محطته المنزلية بالشبكة القومية.
ويطالب م. أيمن صراحةً بإعفاء كامل لمكونات المحطات الشمسية المنزلية من ضريبة القيمة المضافة ومن الجمارك، لخفض التكلفة الاستثمارية اللحظية. كما يقترح تفعيل مشروع “صندوق التحول الطاقي” (الذي عُرض سابقاً على مجلس الوزراء)، والذي يتيح تقسيط تكلفة السخانات الشمسية والمحطات المنزلية الصغيرة (بقدرة 2 إلى 3 كيلووات) على مدار 7 سنوات يتم تحصيلها بمرونة عبر فاتورة الكهرباء الشهرية، مما يرفع العبء الفوري عن الشرائح المتوسطة ومحدودة الدخل.
من جهته، يحذر الدكتور ماجد كرم، المدير الفني بالمركز الإقليمي للطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة، من أن الاعتماد المستمر على الوقود الأحفوري منذ الثورة الصناعية قد أصاب الكوكب في مقتل، مؤكداً أن القفزات الاقتصادية الحالية أصبحت رهينة بالتكامل التكنولوجي الجديد.
ويشدد على أن التوسع في “تكنولوجيا بطاريات تخزين الطاقة” قد قلب موازين المشروعات عالمياً؛ حيث يتيح الاستفادة القصوى من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وضخ المياه وتحلية أكثر من 40 مليار متر مكعب من المياه سنوياً، حتى في أوقات غياب الشمس أو انخفاض سرعات الرياح، مما يؤمن حلاً مستداماً للمستقبل.











