عندما أقرأ أو أسمع قوله تعالي: «والفجر وليال عشر والشفع والوتر واليل اذا يسر هل فى ذلك قسم لذى حجر» ثم أقرأ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فى وصفه للعشر الاوائل من ذى الحجة : «مامن أيام العمل الصالح احب إلى الله فيهم من هذه الأيام قالوا ولا الجهاد فى سبيل الله قال ولا الجهاد فى سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء.. أقول عندما أقرأ الآية والحديث أفهم أنهما لإعداد المسلم المؤمن للتجلى العظيم يوم عرفة ذلك التجلى الذى يختلف عن تجلى الله على عظمة أما تجلى يوم عرفة فهو تجلى رحمات وقبول واستجابة وعفو ومغفرة لذا كان قوله صلى الله عليه وسلم : «ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيباهى بأهل الأرض أهل السماء فيقول انظروا إلى عبادى جاؤونى شعثا غبرا ضاحين جاءوا من كل فج عميق يرجون رحمتى ولم يروا عذابى فلم ير يوما أكثر عتقا من النار من يوم عرفة».
ولكى يكون المسلم أهلا للتجلى وأهلاً للقبول وأهلاً للدعاء والتضرع فلا بد من إعداده لكى يليق بهذا النعيم بتنقية نفسه وتطهيرها وتنويرها بالإيمان الخالص وتخليصها من ظلماتها وأدرانها ولا يتحقق ذلك إلا بالأعمال الصالحات التى لا يقصد بها فاعلوها إلا وجه الله راجين رحمته وحده سبحانه فإذا ما فعلنا هذا كان للتجلى وقعه فى نفوس المؤمنين الذين جاءوا إليه بقلوبهم خالصة له ليس فيها إلاه .
ومن هنا نفهم قوله صلى الله عليه وسلم: «ألا إن فى أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها» والنفحات عطاءات كريمة من أكرم الأكرمين أى أنها بلا حساب فكيف نتعرض لها ونحن تحت سمائه ورحمته؟ .
التعرض لها كما أفهمه بإعداد النفس لاستقبال هذه النفحات بأن تكون موصلا جيدا لعطاءاته الإيمانية سبحانه وتعالى ولايحدث ذلك لا لقلب جاءه خالصًا خاضعًا ذليلاً راجيًا .لذا وجدنا بن رجب رضوان الله عليه يقول : «احذروا المعاصى فإنها تحرم المغفرة فى مواسم الرحمات».
والترغيب فى ذلك بقسم من العلى الاعلى «هل فى ذلك قسم لذى حجر» حيث أقسم بالفجر الذى هو علامة البدايات والتغيرات وإشارة إلى النور الحقيقى والمعنوى وبداية الأعمال ثم بالليالى العشر التى فى أغلب التفسيرات العشر الأول من ذى الحجة والشفع وهو يوم الأضحى والوتر وهو يوم عرفة ثم بالليل إذا مضى أو فى حالة إرخاء سدوله على الكون بخفة ويسر.
والمتأمل فى الآيات يجد كلماتها وجملها تميزت بالمعلومة والجو الحالم الجاذب المشجع من خلال إيحاءات كلماتها وحروفها المهموسة فى المقابل جاء حديثه عن الظالمين فى نفس السورة بلغة تليق بمعاملتهم المستحقة «فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد».
ومن يتأمل حديث رسول الله فى هذه الليالى يجده دافعا شديدا للتوبة بل فى الإقبال المتفانى على العمل الصالح الذى لم يحدده الحديث وجعله مفتوحا وجعله يساوى فى ثوابه مثلما يخرج رجل بنفسه وكل ما يملك فى سبيل الله فينفق ماله كله ويجود بروحه فى سبيل الله أى أنه قدم كل شيء وأغلى شيء.
من هنا يقوم المسلمون فى كل مكان فى هذه الأيام بالاجتهاد بالأعمال الصالحات فمنهم من يصوم العشر الأوائل لأنه يرى أن الصيام أخلص العبادات ومنهم من يصوم عرفة لأنه يكفر السنة الماضية إلى آخر الأعمال الطيبات فاللهم تقبلها وأفض علينا من رحماتك.









