الحركات النسوية: المهرجان يحتفى بالسينما ويُهمِّش نصف صنّاعها
تييرى فريمو يدافع عن الاختيارات:
الجودة الفنية أولًا وليس جنس المخرج
لم يعد الجدل حول تمثيل النساء فى مهرجان كان السينمائى الدولى مجرد نقاش عابر، بل تحول إلى قضية تتجدد كل عام. وفى الدورة الـ 79 من المهرجان، عاد السؤال القديم ليتصدر المشهد من جديد: أين المخرجات فى أهم منصة سينمائية فى العالم؟
فمع مشاركة خمس مخرجات فقط من أصل 22فيلمًا فى المسابقة الرسمية، اشتعلت الانتقادات من الحركات النسوية والنقاد، بين من يرى أن المهرجان لا يزال يعكس خللاً واضحًا فى ميزان التمثيل، ومن يؤكد أن معيار الاختيار يجب أن يبقى فنيًا خالصًا بعيدًا عن أى حصص أو اعتبارات نوعية.. وبين هذين الرأيين، تجد إدارة المهرجان نفسها مرة أخرى فى قلب جدل عالمى حول المساواة فى صناعة السينما.
لاتزال الحركات النسوية تعمل على التنديد بانخفاض نسبة مشاركة المخرجات فى المسابقة الرسمية ، ما يجعل أروقة مهرجان كان السينمائى تعيش حالة من الجدل والنقاشات المستمرة حول عدم التوازن بين الجنسين فى قائمة الأفلام المختارة فى المسابقة الرسمية، ففى دورة هذا العام، لم تحمل الأفلام إلا توقيع خمس مخرجات فقط من أصل 22 فيلمًا مشاركًا فى المسابقة.
هذا الموقف المستمر منذ سنوات وضع مهرجان كان السينمائى مرارًا فى قلب النقاشات المتعلقة بالمساواة فى صناعة السينما العالمية. وقد أشارت مجموعات مدافعة عن حقوق المرأة إلى أن التمثيل لا يزال غير عادل رغم الوعود العلنية بتحسين الوضع، حيث اعتبرت إحدى هذه الجهات أن المهرجان يخاطر بـ«الاحتفاء بالسينما مع تهميش نصف صنّاعها».
ومن جانبه دافع المدير الفنى للمهرجان تييرى فريمو فى حوار له مع الصحافة العالمية الحاضرة لتغطية فعاليات المهرجان وطرح منهم الكثير من الاسئلة حول هذا الموضوع ، وأكد أن الاختيارات تستند بالكامل على القيمة الفنية للأعمال. وأوضح أن المهرجان لا يتعمد استبعاد النساء، مشيرًا إلى أن «الأفلام يتم اختيارها بناءً على جودتها، وليس على جنس مخرجيها».
ويرى فريمو وإدارة المهرجان أن فرض حصص خاصة بالمساواة بين الجنسين قد يؤثر على النزاهة الفنية للاختيارات، حتى مع استمرار فجوة التمثيل عامًا بعد عام. وبحسب ذلك، تبدأ المشكلة فى مراحل الإنتاج المبكرة، حيث تتولى نساء أقل إخراج الأفلام ذات الميزانيات الكبيرة أو الأعمال المقدمة دوليًا. وهو ما ينسجم مع تصريح سابق لفريمو قال فيه إن مهرجان كان السينمائى «يعكس ببساطة ما تنتجه السينما كل عام».
ورغم ذلك، لا تزال الجماعات النسوية، بما فى ذلك حركة 50/50، غير مقتنعة، إذ ترى أن مهرجان كان السينمائى لا يمكنه الادعاء بأنه يمثل صناعة السينما العالمية بينما «يبقى غياب النساء واضحًا إلى هذا الحد فى أهم أقسامه وأكثرها أهمية».
وفى دفاعه عن موقفه، استعاد تيرى فريمو حديثًا جمعه بالمخرجة الراحلة أجنيس فاردا فى أيامها الأخيرة، مع تصاعد ضغوط الحركات النسوية على المهرجان لجعل مسابقته أكثر شمولًا. وقال إن فاردا أخبرته: «أنا لست مخرجة امرأة، أنا امرأة، وأنا مخرجة». وأضاف فريمو: «قالت لي: أرجوك، لا تختر فيلمًا لأنه من إخراج امرأة، بل اختر الفيلم لأنه فيلم جيد».
ومع ذلك، شهد المهرجان بعض التقدم فى هذا الملف، فعلى مدار أول 73 عامًا من تاريخ المهرجان، لم تفز بالسعفة الذهبية سوى مخرجة واحدة، هى جين كامبيون عن فيلم «البيانو» عام 1993.
أما خلال السنوات الخمس الأخيرة، فقد فازت بالجائزة مخرجتان: جوليا دوكورنو عن فيلم «تيتان» عام 2021، وجوستين ترييه عن فيلم «تشريح سقوط» عام 2023.
وفى دورة هذا العام، اختار فريمو خمس مخرجات للمشاركة فى المسابقة الرسمية: ليا ميسيوس بفيلم «حفلة عيد الميلاد»، ومارى كروتسر بفيلم «الوحش اللطيف»، وفاليسكاجريزباخ بفيلم «المغامرة الخيالية»، وشارلينبورجوا-تاكيت بفيلم «حياة امرأة»، وجين هيرى بفيلم «جارانس.
من جهة أخرى، يرى بعض النقاد أن هذا الجدل والانتقادات ليست فى محلها، وأنها لن تؤدى إلى تغيير فعلي. فبحسب هذا الطرح، لا تزال صناعة السينما يهيمن عليها الرجال، مما يطرح تساؤلات حول إمكانية تطبيق فكرة «50/50» عمليًا فى هذا المجال.
كما يتساءل هؤلاء ويذهب هذا الرأى أيضًا إلى أن كثرة الوقفات الاحتجاجية لن تغيّر من طبيعة الاختيارات، خاصة أن تيرى فريمو، مدير المهرجان، يؤكد أن الأفلام تُقبل بناءً على ما يُقدَّم منها، بمعنى كيف يمكن تحويل هذه النسبة إلى واقع بينما حجم الأعمال المقدَّمة أصلاً بين يدى لجان الاختيار أقل بكثير، ويتم فى النهاية انتقاء ما يستوفى معايير ولوائح المشاركة وما يُعد مناسبًا للعرض، بالإضافة إلى أن معيار الجودة يظل هو الأساس والعنصر الحاسم فى عملية الاختيار.
ومع ذلك وعلى عكس المسابقة الرسمية، شهد قسم «نظرة ما» بدوره حضورًا قويًا للمخرجات، حيث افتُتح بفيلم جين شونبرون « المراهقة والجنس والموت فى مخيم مياسما»، واختُتم بفيلم لايتيتيا ماسون «يوليس»، إلى جانب أعمال أخرى لكل من جوديثغودريش، ومانويلا مارتيللي، وليلى مراكشي.
وخارج المسابقات الرسمية، واصل المهرجان إبراز تنوع الأصوات النسائية من خلال عروض أقسامه المختلفة، إذ شاركت ماريا مارتينيز بايوناوجيرالدين نكاش فى قسم «كان بريميير»، بينما قدّمت ماريون لو كوروليه عملها فى عروض منتصف الليل، فى حين افتتحت فوانج ماى نجوين أسبوع النقاد بفيلمها «بين الامواج».
كما يكرّم مهرجان هذا العام على هامشه مجموعة من النساء، فى لفتة تعكس حضورًا لافتًا رغم الجدل الدائر حول التمثيل. إذ تحصل النجمة والمخرجة الأسطورية باربرا سترايساند على السعفة الذهبية الفخرية، تقديرًا لمسيرتها الفنية الرائدة وإسهاماتها الممتدة فى صناعة السينما.
كما تُمنح جوليان مور جائزة «المرأة فى الحركة» لعام 2026 فى 17 مايو، وهى الجائزة التى تقدمها مجموعة كيرينج ومهرجان كان السينمائي، تكريمًا لمساهماتها البارزة فى السينما والتزامها بدعم وتعزيز دور المرأة فى المجتمع.
وفى السياق ذاته، تحصل المخرجة الإيطالية مارجريتا سبامبيناتو على جائزة «المواهب الصاعدة» لعام 2026، والتى تُمنح للأصوات السينمائية الواعدة فى بداية مسيرتها الفنية، بالإضافة الى أن هذا العام يحتفى مهرجان كان السينمائى الدولى بالفيلم الكلاسيكى «ثيلما ولويز»، حيث يظهر على الملصق الرسمى للمهرجان صورة أرشيفية بالأبيض والأسود للنجمتين جينا ديفيس وسوزان ساراندون من كواليس فيلم ريدلى سكوت الشهير، وذلك بمناسبة مرور 35 عامًا على عرضه، باعتباره أحد أبرز الأعمال التى ترمز إلى الصداقة النسائية والتحرر.
بينما يترأس لجنة المسابقة الرسمية المخرج بارك تشان – ووك، تضم اللجنة أيضًا عددًا من الأسماء النسائية البارزة، من بينهن ديمى مور، وكلويه تشاو، وروث نيجا، ولورا فانديل.
أما المخرجة الكندية مونيّا شوكري، فإنها رئيس لجنة جائزة «الكاميرا الذهبية»، وهى الجائزة المخصصة لأفضل فيلم روائى أول ضمن مختلف أقسام المهرجان.
كما ترأست المخرجة الإسبانية كارلا سيمون لجنة تحكيم الأفلام القصيرة و»لا سينيف»، فى حين تقود المخرجة الهندية بايالكاباديا لجنة تحكيم «أسبوع النقاد».
وقد تم اختيار الممثلة الفرنسية إيه هيدارا لتكون مقدّمة الحفل الرسمية، حيث تتولى تقديم حفلَى الافتتاح والختام للدورة الحالية من المهرجان.
وإذا كان المهرجان قد عجز عن تحقيق حضور أوسع للنساء فى مسابقته الرسمية باعتبار أن ذلك خارج عن إرادته، فإنه من ناحية أخرى أظهر قدرًا من الإرادة فى إبرازهن عبر اختياراته المختلفة،وأن يمنحهن حضورًا لافتًا فى مواقع تكريم ومناصب بارزة متعددة.









