فرض التطور التكنولوجى واقعا جديدا على العالم، بعدما أصبحت تطبيقات الذكاء الاصطناعى جزءا أساسيا من تفاصيل الحياة اليومية، ولم يعد استخدامها مقتصرا على مجالات التكنولوجيا أو الأعمال فقط، بل امتد إلى القطاع الطبى بصورة واسعة أثارت حالة من الجدل بين المتخصصين، خاصة مع تزايد اعتماد البعض على تلك التطبيقات فى تشخيص الأمراض وتحديد الأدوية المناسبة دون الرجوع إلى الطبيب أو إجراء الفحوصات الطبية اللازمة.
وخلال الفترة الأخيرة، انتشرت برامج وتطبيقات إلكترونية تقدم ما يشبه «الاستشارة الطبية السريعة»، حيث يكتفى المستخدم بكتابة الأعراض التى يشعر بها أو تحميل نتائج بعض التحاليل ليحصل خلال لحظات على تشخيص مبدئى وربما قائمة بالعلاجات المقترحة، ورغم أن هذه الوسائل تبدو سهلة وسريعة، فإن خطورتها تكمن فى اعتماد بعض المرضى عليها بشكل كامل، والتعامل معها باعتبارها بديلا عن الطبيب المتخصص، وهو أمر قد يؤدى إلى نتائج كارثية تهدد صحة الإنسان وحياته.
فالطب لا يعتمد فقط على قراءة الأعراض أو تحليل البيانات، وإنما يقوم على تشخيص متكامل يبدأ بالكشف السريرى، ويمر بسماع التاريخ المرضى للمريض، ثم إجراء التحاليل والأشعات اللازمة للوصول إلى تشخيص دقيق، كما أن العديد من الأمراض تتشابه أعراضها بشكل كبير، بينما تختلف خطورتها وأساليب علاجها، وهو ما يجعل أى تشخيص غير دقيق سببا مباشرا فى تأخر العلاج أو تناول أدوية قد تزيد من خطورة الحالة بدلا من علاجها.
كما أن هناك توسعا ملحوظا فى خدمات «الكشف الطبى أونلاين»، خاصة بعد جائحة كورونا التى دفعت الملايين إلى الاعتماد على خدمات الطب عن بعد، وأصبح بإمكان المريض التواصل مع الطبيب عبر الهاتف أو الإنترنت بسهولة، دون الحاجة إلى الذهاب للعيادة أو الانتظار لساعات طويلة، الأمر الذى وفر الوقت والجهد وخفف من أعباء الانتقال وتكاليف بعض الكشوفات الطبية المرتفعة.
ولكن ورغم المزايا التى حققتها هذه الخدمات، فإنها لا تصلح لجميع الحالات، فهناك أمراض تحتاج إلى فحص مباشر ومتابعة دقيقة لا يمكن تحقيقها عبر شاشة الهاتف أو من خلال رسالة إلكترونية، كما أن بعض المنصات غير المتخصصة قد تقدم استشارات غير دقيقة أو تسمح لغير المؤهلين بالتعامل مع المرضى، وهو ما يثير مخاوف حقيقية بشأن سلامة المواطنين والمسؤولية الطبية عند حدوث أخطاء أو مضاعفات صحية.
لا شك أن التكنولوجيا الحديثة أصبحت عنصرا مهمًا فى تطوير المنظومة الصحية، ويمكن الاستفادة منها فى تسهيل الوصول إلى الخدمات الطبية وتقديم الدعم للأطباء والمرضى، لكن الخطأ يكمن فى تحويلها إلى بديل كامل عن الطبيب أو الاعتماد عليها بصورة مطلقة فى تشخيص الأمراض ووصف العلاج، فصحة الإنسان لا يجب أن تكون محل تجربة أو اجتهاد إلكترونى، ويبقى الطبيب المختص والفحص الطبى الدقيق هما الضمان الحقيقى للعلاج الآمن والحفاظ على حياة المرضى.









