سيماهم في وجوههم… هذه العبارة التي نرددها كثيراً عند مقابلتنا لأشخاص نعرفهم أو لا نعرفهم وفي الغالب تقال للمجاملة أو اكتساب الود. أو طلب مصلحة أو منفعة من الشخص الموصوف بالعبارة.
ولأننا نعلم مركزية الوجه في جسد الإنسان، وأنه يمثل انعكاساً للمشاعر والأفكار فإننا نستهدفه كتعبير عن الذات أو الشخصية. ويأخذ الأمر أبعاداً أخرى في عبارات مختلفة، فيقال قابلته وجهاً لوجه أو قالها في وجه فلان، أو أدار وجهه عندما رأى فلان … الخ. هنا لا يعني الوجه الجزء الملموس من الجسد بل يعد تصوراً معنوياً يعكس دلالات معينة.
فوجه الآخر كما يراه الفيلسوف “إيمانويل ليفيناس” يكسر عالم “الأنا” المغلق حين يطالعك وجه الآخر كعنصر خارجي لا يمكنك استيعابه. أو امتلاكه. وأول رسالة يوصلها إليك “لا تؤذيني” فعندما تنظر في وجه الآخر تفكر أكثر من مرة أن تلحق به الأذى مهما كان بينكما، لأنه يمثل نداء لوجهك أنه يمكن أن نتحاور حتى دون أن ينطق!
هذا بالنسبة للوجه حينما يكون مكشوفاً لك، صريحاً معك، راغباً في الحوار معك. لكن عندما يرتدي قناعه أو يغطي ملامحه ليلعب لعبة التخفي وانتظار لحظة النيل منك أو إلحاق الأذى بك أو تغييب استيعابك وفهمك له، هنا لا يكون الوجه الذي تعرف أو تود معرفته، بل الوجه الذي يتخفى وراء حساباته. إنه القناع.
إذا حاول فلان أن يرتدي قناع الوجه الآخر فإنه يبدو مماثلاً له، فالقناع يستعير من وجه الآخر ملامحة، فلا تميز بينهما، ويظهر لك أنه هو الذي تعرفه. وعبر العصور ارتدت وجوه أقنعة لأغراض دينية وسياسية واجتماعية. وما يجمع هذه الأغراض، هي فكرة القناع أو إظهار وجه تعرفه أو تطمئن إليه.
والقناع يختلف عن الكمامة أو اللثام مثلًا، لأنه يغطي الوجه كاملًا، مما يجعل ممن يضعه شخصاً آخر غير الذي يبدو عليه ، لكنه يريدك أن تعرفه كما الشخص أو الدور الذي يلعبه. ويعرف عالم النفس “كارل يونج” القناع بالبيرسونا أو القناع الذي يرتديه الممثلون على المسرح لتأدية دور معين.
إن “البيرسونا عند يونج” هي قناع “اللاوعي الجمعي” قناع يمثل الفرد ليخدع من يضعه كما يخدع الآخرين من حوله ليصدقوا أنه فرد واحد، لكنه يمثل دوراً للنفس الجمعية تتحدث من خلاله، إنه يعبر عن آخرين لا نفسه فقط.
من يرتدي الأقنعة من السياسيين، المفكرين، الفنانين، وشخصيات عامة يعقدون اتفاقية مع المجتمع بأن يكون صورة للشخصية التي يتاح له أن يكون عليها لا كما هو كفرد خاص.
إننا ننتظر من الداعية أن يكون قناعاً يمثل التقوى والسماحة لا كما هو شخصياً في الحياة، كما قناع السياسي الذي يلعب دور الجاد والواعي بإدارة الأمور، وبالنسبة للفنان أو المفكر فإن لعبة الأقنعة هي لعبة احترافية يجيدها كل منهما لكي نصدقهما في نهاية الأمر كما لو كانت اللعبة هي حياة الواقع بالفعل.









