كانت رحلاتى إلى المدن والبلدات الأوغندية من عنتيبى إلى كمبالا ومن كمبالا إلى چينجا ومنها إلى ليره بمثابة قراءة جديدة لشعب يتميز بالطيبة الشديدة والتواضع والأدب الجم والاعتزاز ببلدهم دونما تنمر على الآخرين، كنت أمر على محطة اتوبيس وفى الإشارة لاحظت ان سائق الاتوبيس توقف بهدوء فى المحطة وبدأ الركاب ينزلون بهدوء ودون تزاحم على الإطلاق.
>>>
لكن ما جعلنى أتوقف حتى أتحقق من المشهد هو موقف الركاب الصاعدين للركوب، أقسم أنه لم يتحرك احد من مكانه حتى نزول آخر راكب، وتبدأ عملية الركوب بنظام وانتظام ذاتى ودون تدخل أو منظم أو توجيه من أحد، لا صوت مرتفع لا شجار لا عنف لا تنمر لا ضوضاء، شيء عجيب حقا، لاحظت اننى لم أصادف شخصا واحدا يشعل سيجارة واحدة طوال رحلتى ولم أصادف كافيها يقدم الشيشة، سألت فوجدت التدخين فى الأماكن العامة ممنوع ومحرم ويمكن لمن يتجاوز ان يكون مصيره الحبس.
>>>
لاحظت حالة من التسامح بين الناس، كنت استقل سيارة من مدينة كمبالا إلى مدينة عنتيبى ونظرا لان الدولة كانت تستعد لحفل تنصيب الرئيس موسيفينى واستقبال ضيوفه من الرؤساء والزعماء، فقد كان هناك اختناقات مرورية شديدة مبررة وتحدث فى كل دول العالم حتى أمريكا نفسها، الطريق كان مزدحما بشكل غير طبيعى سيارات أجرة وملاكى ونقل خفيف ونقل ثقيل وشرطة وحرس جمهورى ومئات الدراجات النارية وهى وسيلة انتقال سريعة ورخيصة وناجزة ويطلق عليها هنا «بودا.. بودا» كل هذه الأنماط من وسائل النقل تحاول ان تصل وجهتها فى الوقت المحدد، لكن الظروف كانت معاكسة للجميع، هنا كنت أتوقع وانتظر ان أرى سجالات ومشاجرات واحتكاكات، خاصة ان الجميع يحاول المرور حتى ولو على حساب من يقف بجواره.
>>>
ورغم ذلك اقسم مجددا لم اسجل ملاحظة واحدة لحالة احتكاك واحدة حتى لفظا، الغريب حقا ان احدا لم يصب بعصبية ولم يخرج احدهم ليسب ويلعن الظروف التى أوقعته فى هذا المطب المروري، لا احد يغضب ولا احد يصرخ ولا احد يسب، الجميع فى حالة رضا وتسامح وتماسك، فى المطاعم وأماكن تناول الطعام حالة نظافة حاسمة وملحوظة وكرم أوغندى لا تخطئه عين منصف، قابلت العديد من الأوغنديين على جميع المستويات، اكتشفت اننى امام نوعية من الشعوب تستحق الحب والاهتمام، ربما كانت الطبيعة غير القاسية سببا فى هدوء الأعصاب والتسامح والرضا وعدم الخوف من بكرة، البحيرة تضمن لهم المياه العذبة شربا وريا طوال الوقت مع ثروة سمكية هائلة حيث اجود أنواع البلطى فى العالم، اللون الاخضر هو اللون الرسمى السائد والزاعق، لا يوجد بقعة واحدة فى اوغندا تفتقر إلى اللون الأخضر، الفواكه الاستوائية الأجود والأكثر توافرا فى العالم، الشاى والبن والعسل والثروة الحيوانيّة التى تعيش على اجود المراعى الطبيعية فى العالم.
>>>
كل هذا جعل المواطن فى اوغندا لا يقلق على حياته ومعيشته، كرة القدم هى الساحرة المستديرة حول قلوب الأوغنديين كما معظم الأفارقة، ممارسة كرة القدم والرهانات على نتائجها هو اهتمام الشباب الاول، النجوم الكبار الذين أنجبتهم القارة فتحت شهية جميع الشباب إلى إمكانية الوصول إلى نفس منصات التتويج، ومن الملاحظ هناك ان الدولة قوية من خلال تواجدها المحترف فى الشوارع لضبط المرور والتحركات، كما ان وجود الرئيس يورى موسيفينى على رأس السلطة سنوات طويلة منحه القدرة على إدارة الأمور بحكمة بالغة داخل أوغندا وفى محيطها الأفريقى المضطرب، عموما أنا أحببت هذا البلد واحببت هذا الشعب، ويقينى انهم يحبوننا أيضا حباً حقيقيا غير مزيف كما يفعل البعض، لكن هل يكفى هذا الحب وحده؟ بالتأكيد هناك واجبات يجب نسارع فى عملها حتى يترجم هذا الحب إلى مصلحة حقيقية لكلا الشعبين.









