قبل أيام من وصول الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى الصين تباهى بتفوق بلاده على التنين الصينى فى مجال الذكاء الاصطناعي، وقال فى تصريحات للصحفيين إن أمريكا أقوى من الصين فى هذه التكنولوجيا المتقدمة والتى تغزو العالم كله كالإعصار، وقال إنه سيقول للرئيس الصينى هذه الحقيقة خلال لقائه به فى بكين.. لكن كعادة ترامب يغير مواقفه كما يغير ملابسه ويفاجأ العالم بالعكس تمامًا.. حيث سعى ترامب بكل قوة إلى اقتناص بعض المكاسب الاقتصادية فى أول زيارة لرئيس أمريكى إلى الصين منذ نحو عقد، والحفاظ على هدنة تجارية هشة لتعزيز شعبيته التى تأثرت سلبًا بالحرب على إيران وقضايا ومواقف أخرى داخلية وخارجية.
الذكاء الاصطناعى أقرب إلى ساحة كبيرة لـ «الحرب الباردة» الجديدة بين الولايات المتحدة والصين، حيث تشير تقارير شبه رسمية إلى أن الحزب الشيوعى الصينى على وشك أن يصبح رائدًا عالميًا فى مجال الذكاء الاصطناعي، وإذا نجح الحزب الشيوعى الصينى فى السيطرة على الذكاء الاصطناعى بحلول عام 2030، كما يخطط لذلك، فإن الولايات المتحدة ستتراجع إلى مرتبة «قوة من الدرجة الثانية» بل وأسوأ من ذلك.. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لا تزال رائدا عالميًا فى معظم التقنيات المتقدمة، مثل أشباه الموصلات المتطورة، وأطر الذكاء الاصطناعي، وبيئة الحوسبة السحابية، والحوسبة الكمية، إلا أن الصين تقلص الفجوة بسرعة بل وتتبوأ الصدارة فى العديد من المجالات الحيوية الأخري، ولا تزال الشركات الأمريكية تهيمن على تصميم الرقائق الإلكترونية، وقطاعات رئيسية من معدات تصنيع أشباه الموصلات، وتطوير نماذج الذكاء الاصطناعى الأكثر تقدمًا.
الصراع التكنولوجى بين واشنطن وبكين ألقى بظلاله على كل جوانب الزيارة بما فى ذلك الوفد المرافق لترامب الذى ضم بشكل أساسى عددًا من رؤساء تنفيذيين لشركات تسعى لحل مشاكلها التجارية مع الصين، مثل إنفيديا، التى واجهت صعوبة فى الحصول على تراخيص تنظيمية لبيع رقائق إتش 220 للذكاء الاصطناعى القوية هناك. وطلب ترامب من هوانج فى اللحظة الأخيرة الانضمام إلى الرحلة، وشوهد يصعد على متن طائرة الرئاسة الأمريكية خلال توقف للتزود بالوقود فى ألاسكا فى الطريق إلى بكين. وكتب ترامب فى منشور على منصته.تروث سوشال «أطلَب الرئيس شي»، وهو يقف فى مكان استثنائي، «إقناع» الصين كى يتسنى لهؤلاء الأشخاص الرائعين إظهار سحرهم»، فى إشارة إلى وفد الرؤساء التنفيذيين.. وقال «سيكون هذا أول طلب لي.». وجاء رد بكين سريعًا على منشور ترامب، حيث قال قوه جيا كون، المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، إن بكين على أتم استعداد «لتوسيع نطاق التعاون وإدارة الخلافات وتحقيق مزيد من الاستقرار والثقة فى العالم المضطرب.»
المحادثات بين ترامب وشى تناولت مجموعة من القضايا الحساسة، منها حرب إيران ومبيعات الأسلحة الأمريكية إلى تايوان، الجزيرة ذات الحكم الديمقراطى التى تطالب الصين بالسيادة عليها، إلى جانب القضايا التجارية. لكن معضلة الرقائق الإلكترونية فرضت نفسها بقوة لوجود جينسن هوانج ضمن الوفد الأمريكى ويحتل هوانج مركز الصدارة فى «حرب الرقائق» المشتعلة بين واشنطن وبكين. ومشكلة الصين مع هوانج تتلخص فى ثلاث نقاط استراتيجية تجعله الشخص الأكثر تعقيدًا بالنسبة للقيادة الصينية حيث تنتج إنفيديا رقائق وحدة معالجة الرسومات (GPUs) التى تعد المحرك الأساسى لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعى الضخمة مثل ChatGPT. الصين تمتلك طموحات هائلة لتصبح رائدة عالميًا فى الذكاء الاصطناعى بحلول عام 2030، لكنها تدرك أن الوصول إلى هذا الهدف مستحيل حاليًا بدون رقائق هوانج.. وإلى جانب حرب الذكاء الاصطناعى وأزمة الرقائق الإلكترونية، يتجدد الصراع الأمريكى الصينى فى ساحات حرب أخرى ليست أقل خطورة ومنها الأمن السيبرانى الذى تحول خلال فترة قصيرة إلى ساحة معركة خفية فى التنافس التكنولوجى الأمريكي- الصيني، ويتبادل البلدان الاتهامات بالتجسس الإلكترونى والاختراق وسرقة الملكية الفكرية، ويتجاوز الأمر مجرد القرصنة، حيث يوجد انقسام فلسفى أعمق، فالولايات المتحدة تروج لإنترنت مفتوح وحرية التعبير والتحكم اللامركزى على الأقل من حيث المبدأ، أما الصين فقد طورت نظامًا رقابيًا شديد التحكم، يخضع لإشراف حكومى قوي، وتقنيات مراقبة، وتنظيم للمحتوي.
وأخيرًا.. يمتد سباق التكنولوجيا مباشرة إلى القوة العسكرية، فالأسلحة التى تعمل بالذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيرة ذاتية القيادة، والصواريخ فرط الصوتية، وأنظمة الفضاء، وقدرات الحرب السيبرانية تعيد تعريف كيفية خوض الحروب، ولا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بتفوق تكنولوجى فى العديد من المجالات العسكرية، لكن الصين حققت تقدمًا ملحوظًا، وتعكس استثماراتها فى تكنولوجيا الفضاء، والأنظمة البحرية، وقدرات الصواريخ إستراتيجية مصممة لتحدى الهيمنة الأمريكية، لا سيما فى منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
سيظل الصراع بين واشنطن وبكين قائمًا ومشتعلًا، ولن تخدعنا الابتسامات المتبادلة بين ترامب وشي، ولا البيانات الدبلوماسية الرقيقة التى يتبادلها الجانبان بين الحين والآخر، ولا تتجلى علينا مظاهر الاستقبال الشعبى الحافل للرئيس الأمريكى منذ هبوط طائرته للأراضى الصينية.. وسيعود ترامب سريعًا إلى واشنطن ليطلق تصريحات نارية جديدة ضد الصين وقيادتها وقوتها التكنولوجية والعسكرية الهائلة.









