تمر منطقة الشرق الأوسط بواحدة من أكثر فتراتها حرجاً وتعقيداً فى التاريخ الحديث، حيث تتشابك الصراعات الجيوسياسية، وتشتعل بؤر التوتر على كافة الاتجاهات الاستراتيجية للدولة المصرية. فى هذا المشهد الضبابي، لا تقتصر معركة الحفاظ على الأمن القومى على القوة العسكرية أو الدبلوماسية فحسب، بل يبرز «الوعى الشعبي» كركيزة أساسية وصمام أمان لا يقل أهمية عن الجاهزية القتالية. إن إدراك المصريين لحقيقة ما يدور حولهم ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة حتمية لحماية الجبهة الداخلية من الانكسار أو الاختراق. لم يسبق للدولة المصرية فى عصرها الحديث أن واجهت اضطرابات متزامنة على كافة حدودها كما يحدث الآن. فالمواطن المصرى يجب أن يدرك أن ما يحدث فى الجوار ليس بمعزل عنه.
وتظل الأوضاع فى ليبيا ومحاولات الانقسام والتدخلات الخارجية مصدر قلق يتطلب يقظة تامة لمنع تسلل الفوضى أو الإرهاب. ويمثل الصراع فى السودان تحدياً إنسانياً وأمنياً وقومياً، حيث يمس مباشرة أمن وادى النيل والروابط التاريخية، فضلاً عن ملف أمن المياه.
وتشتعل الأوضاع فى الأراضى الفلسطينية، مع تصاعد وتيرة الصراع وتداعياته التى تستهدف تصفية القضية أو الضغط على الحدود المصرية، وهو ما ترفضه الدولة قيادةً وشعباً. والتوترات الملاحية التى مست حركة التجارة العالمية وقناة السويس تضع الاقتصاد المصرى أمام تحديات تتطلب فهماً شعبياً لطبيعة الضغوط الخارجية.
فى زمننا هذا، لم تعد الحروب تقتصر على المدافع والطائرات، بل انتقلت إلى العقول عبر حروب الجيل الرابع والخامس. تهدف هذه الحروب إلى ضرب «الروح المعنوية» وتشكيك المواطن فى مؤسسات دولته وقدرتها على إدارة الأزمات.
إن وعى المصريين هو الحل الوحيد لمواجهة الشائعات الممنهجة، التى تستغل الأزمات الاقتصادية العالمية لربطها بقرارات سياسية داخلية، متجاهلة الأثر المدمر للحروب المحيطة على سلاسل الإمداد والطاقة.
محاولات استقطاب الشارع المصرى نحو قرارات عاطفية غير مدروسة قد تؤدى إلى توريط الدولة فى صراعات إقليمية تستنزف مواردها وتعرقل مسيرة التنمية.
الوعى ليس مسؤولية جهة واحدة، بل هو عقد اجتماعى بين الدولة والمواطن، ليكون المواطن شريكا فى فهم القرار السياسي. وهناك ارتباط وثيق بين الوعى السياسى والواقع الاقتصادي. عندما يدرك المواطن حجم التحديات الإقليمية، يصبح أكثر تفهماً لضرورة ترتيب الأولويات الوطنية. إن استقرار الجبهة الداخلية هو ما يسمح للدولة المصرية بأن تمارس دورها كرجل المنطقة القوى والوسيط النزيه فى حل النزاعات. فالدولة الضعيفة من الداخل لا تملك قراراً قوياً فى الخارج، ووعى المصريين بضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة هو الضمانة الوحيدة لعدم الانزلاق نحو سيناريوهات الفوضى التى دمرت دولاً مجاورة.
عندما يلتف الشعب المصرى حول دولته فى ظل هذه الظروف، فإنه يرسل رسالة واضحة للقوى الإقليمية والدولية مفادها أن مصر ليست مجرد دولة عادية، بل هى أمة ذات نسيج واحد لا يقبل التمزق. هذا التلاحم يعزز من أوراق الضغط المصرية فى المفاوضات الدولية ويجعل من صوت القاهرة مسموعاً ومؤثراً فى رسم خريطة المستقبل للمنطقة.
إن الأوضاع المتوترة فى المنطقة ليست سحابة صيف عابرة، بل هى إعادة تشكيل لموازين القوى العالمية والإقليمية. وفى قلب هذا الإعصار، تظل مصر هى نقطة الارتكاز. إن وعى المصريين بـ«جغرافيا الأزمات» و«تحديات البقاء» هو الركيزة التى ستمكننا من عبور هذه المرحلة التاريخية الصعبة.
إن الحفاظ على الوطن يبدأ بكلمة، وينتهى بموقف، وما بينهما «وعي» يدرك أن قوة مصر فى وحدتها، وأن أمنها القومى خط أحمر لا يمكن المساس به، مهما بلغت التضحيات. إن التاريخ سيذكر أن المصريين كانوا على قدر المسؤولية، وأن وعيهم كان الدرع الذى حمى قلب الأمة من كل سوء.
وللحديث بقية.









