في كل بيت مصري تقريبًا، يحفظ التلاميذ أسماء أبطال الكارتون العالمي أكثر مما يعرفون أسماء أبطال تاريخهم الحقيقي.
يتابعون مغامرات شخصيات مثل توم وجيري وسوبر مان وسبايدر مان وكابتن أمريكا، حتى أصبحت تلك الشخصيات جزءًا من وجدان أجيال كاملة، تؤثر في طريقة التفكير والسلوك واللغة، بل وفي مفهوم البطولة ذاته لدى النشء.
لكن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون، أن صُنّاع هذه الشخصيات ينتمون إلى ثقافات تختلف جذريًا عن قيمنا وهويتنا العربية والإسلامية. وبعضهم أعلن دعمه لأفكار لا تتوافق مع طبيعة مجتمعاتنا، فيما يرتبط عدد من كبار صناع المحتوى الترفيهي العالمي بدوائر مؤيدة للكيان المحتل في فلسطين، ما يجعل ترك الساحة بالكامل لهذا المحتوى خطرًا حقيقيًا على تشكيل وعي الأجيال الجديدة.
ولأن التلميذ لا يفرّق دائمًا بين الترفيه والتوجيه، تحولت الرسوم المتحركة إلى وسيلة مؤثرة في بناء الشخصية والسلوك.
بعض الأعمال الأجنبية يمرر بصورة مباشرة أو غير مباشرة مفاهيم تجعل العنف والتمرد والتفكك الأسري أمرًا طبيعيًا، بينما تُقدَّم التدخين والخمور باعتبارها جزءًا معتادًا من حياة الأبطال.
وهنا يبرز السؤال الأهم: أين الشخصية الكارتونية المصرية التي تُعلّم التلاميذ معنى الشهامة، والمروءة، واحترام الكبير، وبر الوالدين، والانتماء للوطن؟
أين الأعمال التي تغرس فيهم الفخر بتاريخ بلادهم وأمتهم العربية وحضارتهم الممتدة لآلاف السنين، بعيدًا عن أسلوب الوعظ المباشر.
إن الحديث هنا لا يتعلق بفئة محدودة، بل بأكثر من 15 مليون تلميذ في مصر من مرحلة رياض الأطفال وحتى الصف السادس الابتدائي، وهي المرحلة الأخطر في تشكيل الوعي والقيم والسلوك.
هؤلاء التلاميذ يتلقون يوميًا عشرات الرسائل الثقافية والفكرية عبر الشاشات والهواتف المحمولة، ما يجعل امتلاك محتوى وطني جذاب ضرورة حقيقية، وليس رفاهية.
ولعل النجاح الذي حققه مسلسل الأرض خلال شهر رمضان الماضي يؤكد أن لدينا القدرة على تقديم الهوية الوطنية بصورة جذابة وقريبة من تلاميذ مصر.. فقط نحتاج إلى النص الجيد والإنتاج القادر على المنافسة، ليصبح التأثير أعمق وأوسع مما نتخيل.
ومن هنا تبرز أهمية وجود جهة إنتاجية وطنية تمتلك الرؤية والإمكانات والقدرة على جذب المبدعين الحقيقيين، وتمنحهم مساحة واسعة للابتكار، مع توفير أدوات التسويق الحديثة للوصول إلى التلاميذ عبر المنصات الرقمية المختلفة. وهو الدور الذي يمكن أن تقوم به الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، بما تمتلكه من خبرات وإمكانات قادرة على تحويل الفكرة إلى مشروع وطني متكامل.
ويكفي أن حجم سوق صناعة الرسوم المتحركة عالميًا يُقدَّر بنحو 436 مليار دولار، مع توقعات بتضاعفه ليقترب من 895 مليار دولار خلال العقد المقبل، بمعدل نمو سنوي يتجاوز 7%، مدفوعًا بالطلب المتزايد على الترفيه الرقمي. وهو ما يؤكد أن الاستثمار في المحتوى الكارتوني أصبح أحد أهم أدوات التأثير الثقافي والاقتصادي في العالم.
والحقيقة أن لدينا تاريخًا يمكن البناء عليه، من خلال شخصيات ناجحة رسخت في وجدان الأطفال، مثل بكار وبوجي وطمطم، لكننا نحتاج فقط إلى سيناريوهات كتابية حديثة تتلاءم مع طبيعة الوقت الحالي واهتمامات التلاميذ، وتقدم القيم بصورة جذابة وقادرة على المنافسة.
نحن بحاجة إلى صناعة أبطال حقيقيين يعلمون أبناءنا قيمنا، ويصنعون وجدان جيل قادر على حماية وطنه وأخلاقه ومستقبله.









