إن النيابة العامة، باعتبارها شعبة أصيلة من شعب القضاء، كفل لها الدستور والقانون أمانة تمثيل المجتمع من خلال إنفاذ صحيح القانون، في إطار من استشعار عِظم المسؤولية، واستحضار جلال الرسالة التي تؤديها كسلطة تحقيق واتهام فعلية، تنتزع الحقيقة بالدليل قبل ضياعه؛ لتفند الباطل بالحق عدلًا وقصدًا.
ومن هنا تأتي الطبيعة المتفردة للعمل بالنيابة العامة لتشمل خصائص متعددة؛ فإن وقفت عند تطبيق القانون بصورة مجردة، أصبحت جامدة منعزلة عن المجتمع الذي تحمي حقوق أفراده، وإن غاب عنها السَّمت القضائي، انزلقت خارج حدود دورها الأصيل، وابتعدت عن طبيعتها القضائية المتوازنة.
ولذلك جاءت رؤية النيابة العامة في الآونة الأخيرة قائمة على تحقيق التوازن بين هذا وذاك؛ فهي التي تؤدي اختصاصاتها الأصيلة دون جمود يغفل البُعد الإنساني المتصل اتصالاً وثيقاً باختصاصاتها المنصوص عليها قانونًا.
ولعل من أبرز ما يمثل ذلك –على سبيل المثال لا الحصر– اختصاص النيابات المختلفة بالإشراف على دور الرعاية، تحت إشراف “مكتب حماية الطفل والأشخاص ذوي الإعاقة والمسنين”، من خلال الزيارات الدورية ومتابعتها لتلك الدور. وإن كان اختصاص الإشراف في أصله اختصاصاً وظيفياً، إلا أنه ما كان ليؤتي ثمارَه بدقة لولا وجود وصل حقيقي بين أعضاء النيابة العامة وساكني تلك الدور من أطفال ومسنين وذوي همم.
وعليه، كانت الرؤية والتوجيه بأن يغدو عضو النيابة العامة زائراً حقيقياً بالنية والقلب، لا بالاختصاص أو الوظيفة وحدهما، مبادراً بدينه وإنسانيته، لا بعمل وواجب إداري فحسب. بل فُتح المجال –من خلال هذه الرؤية والتوجيهات– أمام أعضاء النيابة العامة من غير المختصين للمشاركة النوعية؛ سعياً إلى التفعيل الواجب للبعد الإنساني المتصل بطبيعة اختصاصهم الوظيفي، إصلاحاً وتكاملاً للجانبين.
فكانت ثمرة ذلك –وباستعراض الكشوف الربع سنوية لما تم إنجازه من قضايا وشؤون قضائية– أن تبين ما تحقق نفاذاً لتلك الرؤية في بعض النيابات؛ حيث أسفر الاتصال الإنساني الحقيقي، البعيد عن الجمود الإداري، عن إنقاذ حياة طفلة، وإعداد أوراق ثبوتية لأخريات، بل وامتد الأمر ليشمل تجهيز غرف تحقيق صديقة للطفل دون مبادرات رسمية أو تمويل خارجي.
فما كان من عضو النيابة الذي اتصل وزار وعايش أطفال إحدى دور الرعاية، إلا أن ساهم في تدبير نفقات جراحة عاجلة أُجريت لأحد الأطفال، وما كان من أحد أقرانه إلا أن جدَّ في إنهاء الإجراءات الخاصة بالأوراق الثبوتية لعدد من الفتيات، بل وامتد الأمر في دور أخرى ليشمل توزيع الألعاب والمأكولات المحببة على الأطفال، حتى بات قاطنو تلك الدور يستدعون أعضاء النيابة بالسؤال إذا ما غابت زياراتهم. فضلاً عن أعضاء آخرين تبرعوا من مالهم الخاص لتجهيز غرف تحقيق تناسب ما لمسوه عن قرب من احتياجات نفسية أصيلة لهؤلاء الأطفال الأولى بالرعاية؛ ليضحى ذلك هو حال من يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
ولم يكن لهذا التوجه أن يبلغ ما بلغه من أثر ملموس، لولا ما يضطلع به “مكتب حماية الطفل والأشخاص ذوي الإعاقة والمسنين” من دور محوري في متابعة هذا الاختصاص وتفعيله، عبر الإشراف المستمر، والتوجيه الداعم، ورصد الجهود المبذولة؛ بما أسهم في ترسيخ تلك الرؤية الإنسانية داخل إطار العمل القضائي، وتحويلها من مجرد اختصاص وظيفي إلى ممارسة واقعية تعكس جوهر رسالة النيابة العامة في حماية الفئات الأولى بالرعاية.
ولعل الخلاصة في ذلك كله، أن من يبتغي العمل والخير –أياً كان موقعه– سيجد له سبيلًا ومنفذًا، وأن من يؤثر الجمود والوهن سيختلق لنفسه من كل باب ذريعة.