جاءت مشاركة الرئيس السيسى فى قمة «إفريقيا وفرنسا» بالعاصمة الكينية نيروبى لتعكس واقعية الدور المستمر للدولة المصرية فى صياغة مستقبل القارة، هذا الدور من وجهة نظرنا قد تعاظم نتيجة تجربة عبرت فيها مصر تحديات اقتصادية وأمنية معقدة. ولكن الملاحظ أن الرئيس السيسى قد أكد على رؤية تم التعبير عنها عند تدشين المنتدى الإستراتيجى للتنمية والسلام، ووجدت ردود فعل سلبية نتيجة أسبقية كلمة التنمية عن السلام، اليوم جاء الرئيس ليؤكد صحة أنه «لا تنمية بدون سلام»، وهى خلاصة تجربة مصرية رائدة، فحواها أن النزاعات المسلحة والهشاشة الأمنية هى العائق الأول أمام عمليات التنمية، وأن الحلول السياسية للأزمات أصبحت ضرورة بالتوازى مع جهود الإصلاح الاقتصادى لمصر. هذا السلام الذى تسعى إليه دول افريقيا بعد سلسلة من الحروب والنزاعات الأهلية والاضطرابات القبلية تواجهه ممرات سلام مسدودة نتيجة أزمة ديون ممنهجة صاغتها قوى الاستعمار القديم والحديث، وقد تنبأ بها الرئيس السيسى ووضع حلولاً غير تقليدية لها تتمثل فى التحول من القروض التقليدية إلى أدوات تمويل مبتكرة وأكثر استدامة، مثل «السندات الخضراء» وتحويل عبء الديون إلى فرص استثمارية ومشاريع إنتاجية، مما يضمن احترام الإرادة الوطنية للدول ويحقق العدالة فى التمويل الدولي. وفى رأينا أن هذا الطرح يؤكد أن أزمة الديون هى السمة الأبرز فى المشهد الاقتصادى الأفريقى الراهن. فإحصاءات البنك الإفريقى للتنمية تؤكد أن إجمالى الدين العام الإفريقى تجاوز 1.8 تريليون دولار بنهاية 2024، بينما بلغت نسبة الدين إلى الناتج المحلى الإجمالى نحو 60 ٪ فى إفريقيا جنوب الصحراء. وتكشف هذه الأرقام أن معظم الدول الأفريقية باتت عالقة فى حلقة مفرغة من الديون، كما تؤكد تقارير البنك الإفريقى للتنمية، أن القارة تحتاج إلى أكثر من 400 مليار دولار سنويا لسد احتياجاتها التمويلية بحلول 2030، وهو مبلغ يفوق بكثير ما تحصل عليه من استثمارات أو مساعدات حالية والتى تقدر بـ97 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال عام 2024. ولكن مع تزايد الضغوط العالمية الناجمة عن التضخم وارتفاع أسعار الفائدة فى الاقتصادات المتقدمة، أصبحت القروض الدولية أكثر تكلفة، وأصبحت الأسواق الناشئة الأفريقية أمام أزمة سيولة خانقة، قد تهدد استقرارها الاجتماعى والذى تضربه أيضا قضية الغذاء.
حيث تعتمد نحو 20 دولة أفريقية على استيراد الحبوب من روسيا وأوكرانيا لتغطية احتياجاتها الغذائية الأساسية، ومع تعثر سلاسل التوريد وارتفاع الأسعار عالميا، ارتفعت تكلفة الغذاء فى إفريقيا بنسبة تفوق 40 ٪ منذ عام 2022، وهو ما جعل الملايين عرضة لانعدام الأمن الغذائي، خصوصا فى دول الساحل وشرق إفريقيا التى تواجه فى الوقت نفسه أزمات مناخية مستمرة، عبرت عنه بيانات لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لإفريقيا والتى تشير إلى أن أكثر من 110 ملايين شخص فى القارة تأثروا مباشرة بالكوارث المناخية والأزمات الاقتصادية خلال العام الماضي، مع خسائر اقتصادية تجاوزت 8.5 مليار دولار. كما تشير بيانات البنك الدولي، إلى أن أكثر من نصف سكان أفريقيا جنوب الصحراء مهددون بالوقوع تحت خط الفقر المدقع بحلول 2030 إذا لم يتم احتواء الأزمة المالية الحالية. هذا الأمر تنبهت إليها مؤخراً الدول الأوروبية وعلى رأسها فرنسا، التى أدركت بأنه مع تدهور الأوضاع المعيشية وتراجع فرص العمل، فمن الممكن أن تشهد القارة موجة من الهجرة غير النظامية نحو أوروبا. مع توقع أن أكثر من 30 مليون أفريقى قد يسعون لمغادرة القارة بحلول 2030 إذا استمرت الظروف الاقتصادية على هذا المنوال. وهذه الموجات ستضع ضغوطا إضافية على أنظمة الضمان الاجتماعى الأوروبية، وتخلق تحديات سياسية داخلية قد تؤثر على استقرار الاتحاد الأوروبي. وللحديث بقية إن شاء الله.









