لا يتوقف علماء الإسلام فى كل وقت وفى كل مكان عن حث جماهير المسلمين على الأخذ بفقه الأولويات، وتوجيه نفقات حجهم التطوعى إلى مساعدة الفقراء وأصحاب الحاجات؛ الذين ينتشرون فى أرجاء عالمنا الإسلامى كافة، وتتضاعف معاناتهم المعيشية والصحية بسبب نقص الغذاء والدواء وعدم وجود المأوى الكريم لهم.
دائما يؤكد العلماء أن الحج ركن من أركان الإسلام الخمسة، ويجب فى العمر مرة واحدة على كل مسلم ومسلمة عندما تتوافر الاستطاعة لقوله تعالي: «ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين»، فالتوصيف الشرعى للحج أنه «فرض عين، وإذا ما أداه المسلم سقطت عنه الفريضة ولم يعد مطالباً بتكرارها»، ولذلك ينصح العلماء دائما أنه من الأفضل إعطاء الفرصة لمن لم يؤد الفريضة، وتقديم نفقات «حج التطوع» للفقراء وأصحاب الحاجات الذين يتكاثرون فى بلادنا العربية والإسلامية، حيث يعيش ملايين المسلمين تحت خط الفقر.
ترشيد الحج والعمرة، بحيث يكون الحج مرة واحدة لترك الفرصة للراغبين فى أداء الفريضة لأول مرة، ومنع الزحام الشديد فى الأماكن المقدسة، وأداء العمرة مرة كل خمس سنوات بدلا من تكرارها كل عام كما يفعل ملايين المسلمين، وتوجيه نفقات تكرار الحج والعمرة لدعم الفقراء وأصحاب الحاجات- وما أكثرهم فى بلادنا العربية والإسلامية- دعوات تتكرر كل عام منذ سنوات.. وفى ظل ارتفاع تكاليف رحلتى الحج أو العمرة هذا العام ينبغى أن يتعامل الجميع مع هذه الدعوة بشيء من التأمل، وهناك من وجوه الخير ما يعود على الإنسان بأضعاف أضعاف حجة التطوعى أو عمرته المكررة كل عام.
>>>
دعوة ترشيد الحج والعمرة ليست صدا للمسلمين عن السفر إلى بيت الله الحرام ومسجد الرسول- صلى الله عليه وسلم- كما أنها ليست تجفيفا للمنابع الروحية للمسلم، فكل المسلمين يزدادون شوقا إلى بيت الله الحرام وإلى مسجد المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وإلى المشاعر المقدسة، ولا تمثل فرض حظر على المسلمين القادرين.. لكن شريعتنا الإسلامية توجهنا إلى ما يعرف بـ«فقه الأولويات» أى إغاثة المحتاجين، فحج الفريضة يسقط عن الإنسان بمجرد أدائه ولو كان فى مقتبل حياته، ولذلك يكون إطعام الفقراء وعلاجهم ومساعدتهم على حياة كريمة أولى من حج التطوع وأكثر أجرا وثوابا عند الله منه وفقا لفتاوى صدرت عن العديد من علماء الأزهر الثقات.
ظروف مجتمعاتنا العربية والإسلامية وما فيها من فقراء وأصحاب حاجات تزداد أعدادهم سنويا، وتعجز الحكومات عن الوفاء بحاجاتهم الضرورية، هذه الظروف الصعبة التى يعيشها الفقراء تفرض علينا أن نعمل بفقه الأولويات ويقصد به وضع كل شيء فى مكانه بالعدل من الأحكام، ثم يقدم الأولى فالأولي، بناء على معايير شرعية صحيحة يهدى إليها نور الوحى ونور العقل، فلا يقدم غير المهم على المهم، ولا المهم على الأهم، ولا المفضول على الفاضل، بل يقدم ما حقه التقديم، ويؤخر ما حقه التأخير، بوضع كل شيء مكانه، وهذا المبدأ رسخه القرآن الكريم فى قول الله تعالى: «أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاج وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمن بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِى سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ»، فالآية الكريمة تفيد بأن هناك تفاوتا واضحا معترفا به بين أفعال الطاعات.. وصحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كانوا حريصين كل الحرص على أن يرتبوا الأولى من الأعمال يتقربون بها إلى الله- عز وجل- ولهذا كثرت أسئلتهم عن أحب الأعمال وأفضلها.
>>>
يجب أن نعترف بأن ميزان الأولويات فى حياة المسلمين مختل كل الاختلال، فنحن ننفق على الترفيه أضعاف ما ننفقه على الأعمال الخيرية، كما أن بعض القادرين يوجهون أموالهم لبناء المساجد فى أماكن مكتظة بالمساجد ويتركون أبناء فقراء المسلمين بلا مأوى أو بلا دراسة أو مستشفى يعالجون بها أو مدرسة يتعلمون فيها.
وفى مسألة الحج والعمرة يسافر سنوياً ملايين المسلمين القادرين لتكرار الحج والعمرة وينفقون مئات الملايين على رحلاتهم هذه ويهملون الفقراء الذين لا يجدون الطعام والشراب والدواء والمأوي، وقد تنبأ عبد الله بن مسعود رضى الله عنه بما سيحدث فى زماننا عندما قال: «فى آخر الزمان يكثر الحج بلا سبب، يهون عليهم السفر، ويبسط لهم فى الرزق، وربما يرجعون محرومين مسلوبين، وجار لهم مأسور يحتاج المواساة».
>>>
منذ أيام تواصل معى صديق وهو حزين على عدم حصوله على تأشيرة حج هذا العام.. فسألته: ألم تسافر للحج العالم الماضي؟
رد بسرعة: لا كان العام قبل الماضى
سألته: كم كنت ستنفق على رحلة الحج هذا العام؟
قال: داخلة فى نصف مليون جنيه.
قلت له وأنا مطمن: انفق منها 100 ألف فقط على إطعام الفقراء وسوف يكافئك الله بما هو أفضل من أجر تكرار الحج هذا العام.
طبعا أقدر العاطفة الدينية لهذا الصديق العزيز ولا أشكك فى رغبته الشديدة فى جنى المزيد من الأجر والثواب من خلال سفره لتكرار الحج.. لكن ينبغى أن يدرك الجميع أن الفقراء وأصحاب الحاجات أولى بما ينفق على تكرار الحج والعمرة، وهذا ليس رأياً أو اجتهاداً شخصياً.. بل هناك العديد من الفتاوى الموثقة التى صدرت عن علماء نثق جميعا فى علمهم وفى رجاحة عقولهم.









