بعد مائة يوم من صراعها مع الموت، لفظت الدكتورة سلمى سعيد النعماني أنفاسها الأخيرة داخل المستشفى لتلحق بشقيقتها الطبيبة سهيلة في الحادث المأساوي الذي أصيب فيه زوجها الضابط أحمد النعماني وطفلتهما الوحيدة، بعد اقتحام سيارة ملاكي يقودها طالب مستهتر الرصيف أثناء دخولهم المسكن بمدينة شبين الكوم بالمنوفية ليلاً، ليدمر المتهم برعونته أسرة بأكملها، ويتم ضبطه في الحال، وكاد الأهالي يفتكون به لولا سرعة وصول الشرطة.
جنون السرعة
الحادث المروع الذي وقع نتيجة الاستهتار هز أرجاء المحافظة وصدم مشاعر الأهالي وكل من سمع به حزناً وتعاطفاً مع الضحايا الذين تم القضاء عليهم في غمضة عين بلا ذنب أثناء تواجدهم أعلى الرصيف الذي يفترض فيه الملاذ الآمن للمشاة.. مطالبين بضرورة تعديل القوانين وتغليظ العقوبات في مثل تلك الكوارث البشرية التي تحتاج الردع منعاً لتكرارها، وحماية للمواطنين من جبروت المجرمين وبلطجية الشوارع الذين يسعون في الأرض فساداً ضاربين بآداب الطريق عرض الحائط.
تفاصيل المأساة
وقد دارت فصول القصة المأساوية التي أبكت العيون وانتفضت لها القلوب حسرة وألماً عندما انتهى الرائد أحمد فؤاد النعماني، ضابط مباحث شرم الشيخ، من عمله ليحصل أخيراً على إجازته المعتادة دون أن يدري ما يخفيه له القدر من مآسٍ ومواجع مدمرة أثناء عودته لمسكنه بمدينة شبين الكوم بالمنوفية بصحبة زوجته (ابنة عمه في نفس الوقت) الطبيبة سلمى سعيد حلمي النعماني وشقيقتها الطبيبة سهيلة وطفلتهما الوحيدة، وهم في فرح وسعادة ولهفة لم تكتمل بلقاء الأهل بعد غيبة لعدة أيام.
اقتحام الرصيف
في منتصف الليل وصل ضابط المباحث المعروف بشهامته وإنسانيته بعد مشوار طويل، وبمجرد صعوده الرصيف مع أفراد الأسرة لدخول العمارة، فوجئ بسيارة ملاكي تقتحم المكان وتصعد أعلاه لتدهسهم وسط صرخات مدوية من الضحايا شقت سكون الليل والحي الراقي، ليسقطوا جميعاً غارقين بالدماء في مشهد درامي بشع، تجمع على أثره الأهالي والمارة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه واللحاق بالمتهم الذي تم السيطرة عليه بعد الحادث وقبل محاولته الفرار هرباً من كارثته التي حطمت أسرة وطموحاتها في الحياة بلا ذنب وبطريقة إجرامية.
فزع الأهالي
فور وقوع الحادث فزع السكان من نومهم ليسرعوا للشارع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومنهم المهندس سعيد حلمي النعماني رب الأسرة وعمدة قرية ميت عافية بمركز شبين الكوم، دون توقع منه لحظة واحدة أن الضحايا الملطخين بالدماء هم أبناؤه الذين كان في انتظار وصولهم بفارغ الصبر، ليرتمي في أحضانهم من هول الصدمة التي أفقدته السيطرة على أعصابه مستغيثاً بأهله للحاق به بعد المصيبة التي حلت بالعائلة.. ونقلت على إثرها “الدكتورة سهيلة” جثة هامدة متأثرة بجراحها، وشقيقتها الكبرى “الدكتورة سلمى” تصارع الموت في حالة حرجة، ويعاني زوجها الضابط وطفلتهما من كسور شديدة.
محاكمة المتهم
انتقل إلى مكان الحادث رجال المباحث للفحص والمعاينة وضبط المتهم الذي لم يستطع تبرير جريمته المدمرة ليتم تقديمه للنيابة وحبسه ومحاكمته.. لتمر الأيام دون تحسن لحالة الدكتورة “سلمى” التي لم يتوانَ والدها في تسخير كافة الإمكانيات المادية لرعايتها وتسفيرها للخارج إذا تطلب الأمر، ولكن الأطباء أكدوا تدهور الحالة وهي في غيبوبة تامة بالعناية المركزة، لتنتهي حياتها بعد أيام عصيبة عاشها الأهل والأحباب في قلق وتوتر.
جنازة الضحية
أخيراً وبعد صعود الروح لبارئها، خرجت جنازة الطبيبة الشابة “سلمى” ضحية الاستهتار لمثواها الأخير، ونعتها جامعتها بكلمات مؤثرة.. فقد كانت تمثل الإنسانية بأسمى معانيها والنموذج المشرف للطبيب المثالي.. خرجت من مسجد النعماني ببلدتها ميت عافية وسط حشود ومئات من الأهالي ومسؤولي المحافظة ودموع الأسرة وزوجها الضابط الذي ما زال يعاني من كسور بمختلف أنحاء الجسد، آملاً في الشفاء العاجل والخروج من تلك الأزمة بالعودة لعمله بعد رحلة من الألم والمعاناة.





















