تحركت من عنتيبى إلى جينجا وما أدراك ما جينجا، مدينة فى حضن بحيرة فيكتوريا تخبئ فى قلبها نقطة البداية والانطلاق لأعظم نهر فى العالم، نهر النيل الذى ينبع من جينجا على بحيرة فيكتوريا، كان المركب الصغير الذى يقلنى من شاطئ البحيرة إلى قلبها حيث منبع النيل فى النقطة والمسافة صفر، يتحرك بسرعة عجيبة وكأنه يستمد طاقته من دقات قلبى المفعم بالحب لهذا النهر الخالد، وكلما اقتربت من منابعه ازدادت دقات قلبى فرحا وطربا لرؤية هذه البقعة المباركة التى تفجرت عيونها منذ الأزل بأمر ربها ليسير النهر منها لمسافة 6900 كم مندفعا إلى المجرى والمسار الذى حدده الخالق الأعظم، تذكرت كلمات الشاعر محمود حسن إسماعيل التى غناها محمد عبدالوهاب وهو يقول
« مُسافرٌ زاده الخيالُ والسحر والعطر والظلال
ظمآن والكأس فى يديه والحب والفن والجمالُ
شابت على أرضه الليالى وضيعت عمرها الجبالُ
ولم يزل ينشدُ الديارَا ويسأل الليل والنهارَا
والناس فى حبه سكارى هاموا على شطه الرحيبِ
آهٍ على سرك الرهيبِ وموجك التائه الغريبِ»
وددت لو استمعت لهذه الكلمات، لكننى توقفت عند عبارة « آه على سرك الرهيب « لقد وصلت إلى مستودع أسرار النهر الخالد وأزعم أننى لامست بقلبى هذا السر الرهيب الذى تحدث عنه محمود حسن إسماعيل، عندما وصلت إلى النقطة صفر وجدت لوحة مكتوباً عليها « هنا منبع نهر النيل « وقفت انظر إليها وأرى الماء المنهمر من السماء طازجا حلوا عذبا يتجه باقصى سرعته وكأنه يبحث عن أحبابه وأهله وذويه، النهر الودود الذى يخلق دائما للمصريين عبر التاريخ، يتحمل من أجلنا ومن أجل أن يكون معنا الكثير من الصعاب والمتاعب والعقبات والمحاولات المستميتة لحرمانه من أحبائه المصريين، يمر النهر بين مرتفعات ومستنقعات وبحيرات وسدود تبنى وتشيد، لكنه يقاوم كل ذلك ويأبى إلا أن يصل إلينا فى دورنا العامرة الساهرة له وله على الدوام، كميات المياه المتدفقة على بحيرة فيكتوريا تصل سنويا إلى 2700 مليار متر مكعب من المياه العذبة، مما جعل تلك البحيرة هى الأكبر فى أفريقيا والثانية فى العالم من حيث كمية المياه العذبة المخزنة فى جوفها، كل زيادة بمقدار 1سم فقط تؤدى إلى زيادة المخزون بأكثر من 700 مليون متر مكعب من المياه وكل انخفاض يؤدى إلى نفس النتيجة، البحيرة مصدر أساسى ورئيسى لحياة شعوب اوغندا وكينيا وتنزانيا، كما أنها المصدر الرئيسى لمياه النيل الأبيض الذى يخرج من جينجا متجها إلى جنوب السودان ثم شمالها ثم المستقر والمصب فى مصر المحروسة، لو تخيلنا كم تكبدت نقطة المياه التى تصل إلينا عبر النهر الخالد من متاعب لتعاملنا معها كما نتعامل مع انفس المعادن، رحلة من العذاب يقطعها النهر حتى يصل إلينا، أكثر من 15 ٪ تصل إلينا من بحيرة فيكتوريا حيث النيل الأبيض والباقى 85 ٪ من النيل الأزرق وباقى الأنهار من حوض النيل الشرقى ليجتمعا فى الخرطوم وينطلقان معا إلى المحروسة، أحب النيل كثيرا وأحببته أكثر بعدما وضعت يدى على بعض من أسراره الرهيبة.









