تتميز العلاقات «المصرية ــ الفرنسية» منذ قديم الزمان بالمعانى الحضارية والتميز الإنسانى والعلمي.. الحاضر.. والواقع يؤكد ذلك.. كما أكده التاريخ القريب والبعيد.. وإذا كانت مصر هى أم الدنيا ومهد الحضارة والعلوم.. فإن فرنسا هى منارة العلم فى أوروبا.. ومصر مع فرنسا منارتان يضيئان العالم من خلال البحر المتوسط.
فى يوم من الأيام اعتمدت فرنسا على العلم والفكر والحضارة المصرية.. وإذا كانت فرنسا اليوم فى مصاف دول أكثر تقدماً.. فإن فرنسا تعلم علم اليقين أنها مصر.. مهد الحضارة الإنسانية.. وقد تكون فرنسا هى أكثر دول العالم فهماً وتقديراً لحضارة مصر وتميزها.
فى زيارته الأخيرة لمصر.. حرص الرئيس الفرنسى ماكرون على التأكيد على هذه المعانى فى كل تصرفاته.. سواء وهو يمارس رياضة الجرى على كورنيش الإسكندرية أو عندما أشار فى حديثه إلى عمر الشريف ويوسف شاهين أو عند مشاركته فى افتتاح جامعة سنجور فى برج العرب.. كلها علامات وإشارات تؤكد هذا المعنى الذى قام وأكده نابليون بونابرت عام 1798 عندما قاد حملته الشهيرة إلى مصر.. وكانت نتيجتها الهزيمة خلال 4 سنوات حيث غادرت الحملة الفرنسية مصر عام 1801 بينما غادرها بونابرت نفسه قبلها بعامين على أمل أن يحقق حلمه الامبراطورى فى آسيا.
إذا كان ماكرون اليوم يشيد بمصر ويراها من أفضل دول العالم فإن نابليون بونابرت كتب فى مذكراته عن مصر إنها أجمل إقليم على وجه الأرض ومركز أساسى لتملك مفاتيح التجارة والثروة فى العالم.. ومركز أساسى لامتلاك العالم نفسه وأنه لا يوجد إقليم مثل مصر على وجه الأرض.. وكتب نابليون فى مذكراته رسالة إلى أهل مصر قال فيها إنه جاء مصر ليرد للمصريين حقوقهم ويعاقب من ظلمهم «يقصد العثمانيين» وأنه يهدف التأكيد على إقامة دين محمد الحق.
وإذا كانت الحملة الفرنسية على مصر قد فشلت عام 1801 بعد هزيمة الأسطول الفرنسى فى أبى قير فإن هذه الحملة فى نفس الوقت حققت إنجازات علمية وحضارية أبرزها بالطبع اكتشاف حجر رشيد الذى فسر الكثير فى غموض الهيروغليفية لغة الحضارة الفرعونية.. كما أسس المجمع العلمى.. وكانت هذه الحملة أول من أسس للطباعة فى مصر.. وبالتالى طباعة الكتب والصحف.. وكانت تلك الحملة أول من أضاء شعلة الإنسانية من جديد فى العصر الحديث خاصة أن نابليون أكد على المعانى الحقيقية والإنسانية للدين الإسلامى وعظم دور الأزهر الشريف وأكد على مكانته للمسلمين الذين أشاد بدينهم وأكد أنه الدين الحق ولم يمانع أبداً فى أن يعتنق عدد من قادته الدين الإسلامى.
قد لا يعرف الكثيرون أن نابليون وعدداً كبيراً من قادة فرنسا الحديثة أكدوا واعترفوا بأن مصر هى الأساس الذى بنى الغرب حضارته الحديثة عليه وقد قال نابليون ذلك قبل أن يترك مصر ويقود حملة جديدة فرنسية إلى آسيا عام 1799.
قد يسأل سائل.. لماذا نتذكر الآن حملة نابليون على مصر وهى فى نفس الوقت كانت حملة على الشام أو بالأدق على الدولة العثمانية؟
الإجابة ببساطة أن زيارة ماكرون لمصر أكدت معانى حقيقية عن العلاقات «المصرية ــ الفرنسية» بعيداً عن السياسة.. فالعلاقات الإنسانية والحضارية بين الدولتين والشعبين هى علاقة حب وتأثير وتميز وإعجاب.. وإذا كان الفرنسيون مثلهم مثل كثير من دول أوروبا فى العصر الحديث حاولوا بناء امبراطورية استعمارية فإننا يجب أن نشير إلى أن فرنسا ظلت دوماً تحمل حباً واحتراماً وتقديراً لمصر.. ومن يتابع آخر زيارتين للرئيس الفرنسى ماكرون لمصر يجد ذلك واضحاً.. فقد تناول العشاء فى مطعم نجيب محفوظ فى خان الخليل.. وكلاهما: نجيب محفوظ.. وخان الخليلى لهما معنى حقيقى فى مصر.
حرص فى زيارته الأخيرة أن يشير إلى اسمى عمر الشريف ويوسف شاهين.. وهى أيضاً علامات مصرية مميزة.. إلى جانب أنه شارك فى افتتاح جامعة سنجور ببرج العرب.. ناهيك عن مشاركته فى رياضة الجرى على كورنيش الإسكندرية الذى يطل على البحر المتوسط مثل شواطئ فرنسية كثيرة!!.
العلاقة بين نابليون وماكرون وكلاهما قائد فرنسى له مكانته المميزة سواء الآن أو منذ أكثر من ثلاثة قرون.. أن لكليهما مكانة وعلاقة وطيدة مع مصر.. ولكليهما مكانته المميزة.. لذلك فإنه لابد أن نشير إلى حقيقة العلاقات المصرية الفرنسية المتينة المبنية على الاحترام والتقدير والاهتمام الإنسانى والحضارة والعلم.. فإذا كانت فرنسا تدين لمصر بأشياء كثيرة عبر التاريخ فإن لفرنسا أيضاً مكانتها لدينا ومن يزور باريس ويزور المتحف ويجد العشق الأعظم فيه للحضارة المصرية.. ومن يتابع مكانة مصر فى فرنسا يعرف جيداً مدى العلاقة الحضارية العميقة بيننا.









