«إجلس على حافة النّهر، يأتيك التيّار بجثّة عدوّك».. تذكرت هذه الحكمة الصينية القديمة، مع بدء زيارة الرئيس الأمريكى ترامب للصين مساء أمس، فى ذروة تعقيدات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وما ألحقته بأطرافها من خسائر، وأحدثته فى إقليم الشرق الأوسط من اضطرابات، وجرته على العالم من أزمات.
الرئيس الأمريكى يصل الصين وهو فى مأزق حقيقى لحرب بدأها ولا يعرف كيف يخرج منها.. الحرب تمت على مرحلتين، فى يونيو من العام الماضى طالب إيران بالاستسلام على مائدة المفاوضات ووقف برنامجيها النووى والصاروخى فرفضت فأعلن عليها الحرب واستخدم القوة العسكرية ضدها فى حرب استمرت 12 يوماً لإجبارها على قبول شروطه وفشل.. وعاد إلى المفاوضات، ثم قطعها فى فبراير الماضى ليبدأ حربه الثانية بمشاركة عسكرية كاملة من إسرائيل وفشل أيضاً، وعاد إلى المفاوضات غير المباشرة بوساطة باكستانية ومازالت إيران صامدة تتحدى شروطه وتتمسك بحقوقها السيادية وتعلن استمرار جاهزيتها للعودة إلى القتال إذا لزم الأمر.
المكابرة، جزء من التكوين الشخصى للرئيس الأمريكي.. لا يريد ولا يستطيع الاعتراف بالفشل.. خاصة وهو يذهب للجلوس على مائدة القمة مع رئيس أكبر قوة عالمية منافسة لبلاده اقتصادياً وعسكرياً وتكنولوجياً وهى الصين، وهى إحدى القوى التى تقود الآن تياراً عالمياً لتخليص النظام العالمى من سيطرة أمريكا، وإقامة نظام عالمى جديد متعدد الأقطاب.
قبل ساعات من مغادرته بلاده متوجهاً إلى بكين، تحدث عن الموقف مع إيران، والعلاقات مع الصين.. أعلن عن رفضه للرد الإيرانى المكوّن من 14 نقطة على مقترحاته، وحاول التقليل من شأنه، وقال إن على الأمريكيين ألا يتعجلوا النتائج، فلسنا فى عجلة من أمرنا.
وقال عن الصين إن علاقتنا جيدة مع الصين، ولا ننتظر مساعدة منها فى الموقف مع إيران، بينما سبق بدء زيارته لها بتوقيع عقوبات على ثلاث شركات صينية كبرى بدعوى تعاملها مع البترول الإيرانى الخاضع للعقوبات الأمريكية.
تصريحات تحاول تغطية المأزق الذى وضع ترامب أمريكا فيه، ومحاولات لتقوية موقفه التفاوضى أمام الغريم الصينى الذى يملك الكثير من الأوراق فى هذه القضية.
لكن بعيداً عن هذه التفاصيل، فإن الواضح من تتبع مسارات ترامب فى سياسته الخارجية أنه مازال يحلم بتحقيق شعاره الانتخابي، وهو إعادة أمريكا عظيمة مرة أخري، وأن هذا الحلم هو الذى يوجه تحركاته وتصرفاته فى مواجهة تيار التحول إلى نظام عالمى متعدد الأقطاب.
هو يضع عينه على أمريكا عظيمة مرة أخري.. ويبدو أنه حدد حتى الآن ثلاثة مسارات لتحقيق هذا الهدف، أوّلها السيطرة على أكبر قدر من موارد الطاقة فى العالم، وفى مقدمتها البترول والغاز وثانيها الاستحواذ على أكبر قدر من المعادن النادرة، وثالثها السيطرة على أدوات الذكاء الاصطناعي.
هذا يعنى منع المنافسين من أن تكون لهم الغلبة فى أى مجال من هذه المجالات، وأن تستتبع السيطرة عليها السيطرة على منابعها ومساراتها، وعلى أسواقها أيضاً.
النظرة الشمولية لتحركات ترامب على الساحة العالمية تشير بوضوح إلى ذلك.
خذ مثلاً.. الاستيلاء على بترول فنزويلا إحدى أكبر المنتجين والمصدرين فى العالم.. الحرب على إيران واستهداف بترولها بالعقوبات على مدى عقود، والآن السعى للسيطرة على مضيق هرمز أحد أهم مسارات البترول والغاز البحرية فى العالم.. الاستيلاء على ما قيمته ثلاثمائة مليار دولار من المعادن النادرة من أوكرانيا، بتوقيع اتفاقية معها للحصول على هذه المعادن مقابل هذا المبلغ الذى دفعته أمريكا لها كمساعدات عسكرية واقتصادية ومالية خلال سنوات حربها مع روسيا.. السعى لضم جزيرة جرينلاند الدانماركية لموقعها الإستراتيجى واحتواء أراضيها على المعادن النادرة.. محاولة تفكيك أو خلخلة منظمة «الأوبك» التى تضم أكبر منتجى ومصدرى البترول فى العالم.
ولابد أن الرئيس الأمريكى يؤمن بأن هذه السيطرة بمساراتها الثلاثة: الطاقة ـ المعادن النادرة ـ الذكاء الاصطناعي، هى أقصر طريق لإعادة أمريكا عظيمة مجدداً، فهى تضمن لأمريكا أن تظل القوة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية الأولى فى العالم الآن ومستقبلاً، وتدعم الدولار بصورة غير مسبوقة كسيّد للعملات العالمية، فى مواجهة تيار دعم التعاملات التجارية بين الدول بالعملات الوطنية، وهو التيار الذى تقوده دول مجموعة البريكس لإزاحة أمريكا وعملتها من قيادة النظام العالمى.
ولابد أن العالم أيضاً قد بدأ يدرك ذلك من خلال التكتيكات التى يتبعها الرئيس الأمريكى فى حربه مع إيران.. فتصريحاته اليومية تؤكد أنه يطلقها وعينه على أسواق الطاقة.. فهو يهدد إيران ويتوعدها باستئناف الحرب بهدف الضغط عليها فتشتعل أسعار الطاقة العالمية فى الأسواق، فيتعرض هو لضغط عالمى لفض حصاره البحرى على موانئ إيران وفتح مضيق هرمز لإعادة حركة الملاحة فى الخليج والمضيق لطبيعتها، فيضطر إلى إطلاق تصريح مناقض يبشر العالم بأن اتفاقها مع إيران على وشك الإعلان، فيعود الهدوء إلى أسواق الطاقة وتنخفض أسعار البترول والغاز وغيرها.. وهذا ما يراه العالم يتكرر طوال فترة الهدنة الحالية.
الصين هى المنافس العالمى الأول والأكبر لأمريكا فى هذه المجالات الثلاثة.. ربما نقطة ضعفها الوحيدة هى أنها ليست دولة بترولية مثل أمريكا أو روسيا، وبالتالى فهى تعتمد فى تغطية استهلاكها الهائل على الاستيراد من الخارج.
الصين هى التى تقود عملياً التيار العالمى الداعى لنظام عالمى متعدد الأقطاب تكون أمريكا أحد هذه الأقطاب وليست المهيمن على النظام.
نتائج قمة ترامب ـ تشى بنج اليوم ستكون تعبيراً عن حجم التفاعل أو التضارب بين طموحين فى حلبة الصراع على قيادة العالم، بصرف النظر عن أية تفاصيل أخرى.









