مع اشتعال الأجواء هذا الأسبوع في شارع «الكروازيت» الشهير، يلاحظ ضيوف مهرجان «كان» السينمائي تحولاً جذرياً لا يمكن تجاهله في برمجة الأفلام؛ فخلافاً للأعراف المتبعة منذ عقود، تخلو سجادة «كان» الحمراء تماماً من إنتاجات استوديوهات هوليوود الكبرى (Major Studios)، في مشهد لم يتكرر منذ عام 2017. ورغم حضور السينما الأمريكية عبر أفلام مستقلة مثل «الرجل الذي أحبه» لإيرا ساكس، و«النمر الورقي» لجيمس جراي، إلا أن غياب «الأفلام الضخمة» أو الـ (Blockbusters) ترك فجوةً واضحة في بريق المهرجان المعتاد.
دفاع «فريمو».. ومحاولات التعويض بالنوستالجيا
لم يجارِ المدير الفني للمهرجان، تيري فريمو، هذا الغياب بالصمت، بل صرح في المؤتمر الصحفي الخاص بإعلان البرنامج بنبرة لا تخلو من التحدي، مؤكداً أن حضور الاستوديوهات سيكون أقل هذا العام، معتبراً الأمر واقعاً لا يحتاج للتبرير. وفي محاولة لترميم هذا الفراغ، لجأ المهرجان إلى سلاح “النوستالجيا” عبر عرض خاص لفيلم “السرعة والغضب” (2001) احتفاءً بمرور ربع قرن على عرضه الأول وبحضور نجوم السلسلة، بالإضافة إلى تكريم المخرج جييرمو ديل تورو بعرض فيلمه “متاهة بان”.

خمسة أسباب وراء «الهجرة» الهوليوودية
يبدو أن المهرجان لم يعد مجرد منصة فنية، بل تحول إلى عبء اقتصادي ومخاطرة تسويقية للاستوديوهات الكبرى، وتتلخص أسباب هذا الجفاء بحسب تحليل «الجمهورية» في خمسة محاور:
- التكاليف الفلكية: إن تكاليف الإقامة والتأمين لنجوم الصف الأول في مدينة ساحلية فاخرة كـ “كان” قد تصل للملايين، وهو بند تراه شركات الإنتاج الأمريكية قابلاً للاستغناء عنه في ظل حالة الانكماش الاقتصادي الحالية.
- لعنة النقاد: يخشى المنتجون أقلام النقاد اللاذعة؛ فالعرض في “كان” قبل أشهر من الطرح التجاري قد يغتال الفيلم في مهده إذا جاءت المراجعات سلبية، كما حدث سابقاً مع فيلم “إنديانا جونز 5” الذي اعتُبر عرضه في المهرجان سقطة تسويقية أثرت على إيراداته العالمية.
- السجاجيد البديلة: برز توجه جديد يفضل المهرجانات “الجماهيرية” مثل “تورنتو”، حيث يرى الخبراء أن رد فعل الجمهور هناك أكثر أماناً ومصداقية من انطباعات نقاد المهرجانات النخبوية. وسرعة انتشار الآراء عبر وسائل التواصل جعلت الاستوديوهات تفضل التحكم في توقيت إطلاق المراجعات، تجنباً لسيناريو “جوكر: فولي آ دو” الذي تضرر من تقييمات “فينيسيا” المبكرة، في نفس السياق، تؤكد تجربة فيلم توم كروز الشهير «توب جان: مافريك» أن النجاح في «كان» يتطلب تزامناً دقيقاً مع موعد العرض التجاري، وهو ما لم يتوفر في جدول إصدارات هذا العام؛ فأفلام مرتقبة مثل «حكاية لعبة 5» أو مشروع المخرج كريستوفر نولان الجديد تبتعد زمنياً عن فترة المهرجان، مما يفقد “كان” قيمته كمنصة انطلاق دعائية. وحتى شركة (A24)، التي كانت تُعد الحليف الأقوى للمهرجانات، بدأت تبتعد تدريجياً عن التضحية بعروضها الأولى في مهرجان كان، مفضلةً استراتيجيات بديلة تعتمد على مهرجانات أقل ضغطاً مثل مهرجان نيويورك، وهو ما حقق نجاحات تجارية ضخمة كما في فيلم “مارتي سوبريم” مؤخرا.
- التعقيدات اللوجستية (باريس 2026): تسببت التجهيزات لأولمبياد باريس 2026 في ضغط هائل على الموارد الأمنية والخدمية في فرنسا، مما جعل تأمين الوفود الضخمة لنجوم “الأكشن” كابوساً تنظيمياً وتكلفة إضافية لا ترغب الاستوديوهات في تحملها.
- نفوذ منصات البث الرقمي: بدأت شركات مثل “نتفليكس” و”أبل” تفرض شروطها، حيث تفضل توجيه ميزانياتها نحو حملات رقمية موجهة بدلاً من الإنفاق على بروتوكولات المهرجانات التقليدية التي لا تتوافق مع نماذج إصداراتها المنزلية الفورية، وهذا التباعد طبعًا يكرس واقعًا جديدًا يكون فيه «كان» مختبرًا للفن الخالص، بينما تظل هوليود في غرف عملياتها الرقمية والآمنة بعيداً عن صخب السجادة الحمراء.
العودة إلى الجذور
رغم هذا التراجع، يرى صناع السينما المستقلة جانباً مضيئاً؛ فهذا الغياب يمنح المخرجين المغامرين فرصة لاستعادة مركز الصدارة. ويبدو أن الدرس الذي تعلمته الاستوديوهات مؤخراً هو: «إذا كان الفيلم جيداً، فإنه سيحلق عالياً دون الحاجة لسجادة حمراء في فرنسا».

صفعة «لافيرتي» القاسية
في اليوم الأول للفعاليات، وجه السيناريست الإسكتلندي “بول لافيرتي” صفعة قاسية إلى قلب هوليوود؛ إذ كان الضيف الأكثر صراحة وصداماً خلال المؤتمر الصحفي للجنة التحكيم. شن لافيرتي هجوماً عنيفاً على ما وصفه بـ “القائمة السوداء” في هوليوود، مشيراً إلى أن ممثلين مثل سوزان ساراندون، خافيير بارديم، ومارك روفالو تعرضوا للتضييق المهني بسبب مواقفهم المعارضة للحرب على غزة.
وفي عبارة وصفت بـ«الكوميديا السوداء»، ربط لافيرتي بين ملصق المهرجان الرسمي (الذي يصور مشهداً من فيلم Thelma & Louise) وبين بطلته سوزان ساراندون، قائلاً بسخرية: «أتمنى ألا نتعرض للقصف الآن لأننا نضع هذا الملصق في كان»، في إشارة للتناقض بين الاحتفاء بالرموز فنيًا وتهميشهم سياسياً. واختتم كلمته باقتباس من مسرحية «الملك لير» لوصف القادة الحاليين بأنهم “مجانين يقودون العميان”، واصفاً ما يحدث في غزة بأنه “إبادة جماعية».









