تظل القارة الإفريقية وهمومها وقضاياها أولوية مصرية تنشغل بها القيادة السياسية، وتسعى لإيجاد حلول لها إيمانًا بأن المستقبل «المصرى- الإفريقي» واحد والمصير واحد وأن أى تنمية في القارة تعود بالخير على الجميع، وإذا كانت هذه الرؤية المصرية تجسدت في أيام الزعيم جمال عبد الناصر من خلال الدعم الكامل لدول القارة في تحقيق الاستقلال والتحرر العسكري من كل صور الاحتلال البغيض الذي كانت تخضع له أغلب دول إفريقيا، فإنه يتجسد الآن وبوضوح شديد مع الرئيس عبد الفتاح السيسي من خلال دعم دول القارة في التحرر الاقتصادي وتحقيق النمو والإنطلاق إلى مساحات أكبر من البناء القوى الذي تستحقه شعوبها من خلال استثمار قدراتها وثرواتها التي ظلت منهوبة لقرون تذهب إلى الغرب ولا يبقى لأبناء القارة السمراء سوى القليل، حتى العقول الإفريقية العلمية والرياضية والثقافية تم خطفها أو بالأحرى سرقتها، فالغرب تعود على أن ينظر لإفريقيا على أنها منجم خيرات له وليس لأهلها الذين كتب عليهم أن يعيشوا في فقر وتخلف وتراجع اقتصادي وصراعات وحروب وإرهاب وأوبئة، رغم أنها القارة الأغنى.
ولهذا طرحت مصر منذ تولى الرئيس السيسي رؤيتها المستقبل القارة والتي تعتمد على مجموعة من المحاور هدفها الأهم تحقيق حلم النمو الإفريقي.
- وأول هذه المحاور التي طرحتها مصر هو إسكات البنادق وإيقاف الصراعات وإنهاء الحروب الحدودية وغيرها في العديد من دول القارة، فبدون استقرار وسلام لن تحقق دول إفريقيا تنمية ولن تستطيع أن تستثمر ثرواتها لا تنمية بدون سلام ولا سلام بدون تنمية.
والأهم أن تحقيق هذا الهدف ليس مرتبطا سوى بالدول الأفريقية نفسها فلن يحل مشاكلنا ولن يوقف حروبنا غيرنا، فالحل بأيدينا وإنقاذ انفسنا يعتمد على إيماننا بأنفسنا وقدراتنا فمصر ترى أن القضايا الإفريقية يمكن أن تحل بالحوار وعلى مائدة التفاوض وليس بالصراح، من السودان إلى الكونغو وغيرها الحلول السياسية في الطريق الأمثل والأفضل لخروج دول القارة من الفوضى التي تهددها.
- المحور الثاني أن تعرف دول القارة حجم ما تمتلكه من ثروات وأنها كافية لتغيير مستوى اقتصادها وتحقيق التنمية التي تستهدفها طالما توافرت الإرادة، فإفريقيا تمتلك نحو 10 بالمائة من معادن العالم، و40 بالمائة من احتياطي الذهب و 13 بالمائة من احتياطى الغاز، و90 بالمائة من الماس و 40 بالمائة، من النحاس، و30 بالمائة من اليورانيوم، وكل هذا جزء مما يحتويه باطن الأرض الأفريقية الزاخرة بثروات معدنية يحتاج إليها العالم بشدة لكنه يحصل عليها بسهولة كمواد خام ويعيد تصديرها الينا مصنعة بأضعاف ثمنها.
وبجانب هذه الثروت تظل الأرض الأفريقية نفسها ثروة ضخمة فالقارة تمتلك مساحات هائلة تصل لنحو 60 بالمائة من الأراضي الصالحة للزراعة في العالم بما يتجاوز 950 مليون هكتار، لكنها للأسف غير مستغلة وليس أمامنا بديل إلا أن تستثمر نحن ثرواتنا الطبيعية، ونحسن استغلالها بالشكل الذي يحقق لنا التنمية.
والاستثمار المطلوب لهذه الثروات هو التصنيع فإفريقيا لا بد أن تنتقل سريعا إلى الاستثمار الصناعي القائم على ما تمتلكه من كنوز وثروات لتصدر للعالم منتجات كاملة وليس مواد خام ولديها القدرة على جذب استثمارات ضخمة في كافة المجالات الصناعية، سواء التعدينية أو البترولية أو الزراعية أو السمكية.
- المحور الثالث هو التكامل الإفريقي فمعدل التبادل التجاري بين دول القارة أضعف بكثير مما يجب أن يكون عليه ويكفي أن نقول أن حجم التجارة البينية الدول القارة لا يتجاوز 15 بالمائة مقابل 70 بالمائة. في أوروبا، وهو ما يكشف حجم القدرات التي يمكن استثمارها بين دول القارة وبعضها.
قدم الرئيس رؤية شاملة لمواجهة أزمة الديون التى تثقل كاهل الدول الإفريقية وكذلك تحقيق الأهداف التنموية المتعثرة فى القارة.

صحيح أن هناك اتفاقيات عديدة ساهمت في تحريك المياد الراكدة في هذا المجال مثل الكوميسا، واتفاقية التجارة الحرة وغيرها، لكن للأسف معدل النمو ضعيف ويجب أن يشهد طفرة وليس مجرد زيادة لأنه ليس مقبولاً أن قارة بكل هذه القدرات وتظل شعوبها في أعلى معدلات الفقر وأقل مستويات الدخل والتنمية.
وكل هذا يجعل الرؤية المصرية قائمة على حقائق تفرض على كل دول إفريقيا التعاون والتكامل اقتصاديا وتجاريا وسياسيا وأمنيا، ولذلك نجد التأكيد المصرى الدائم على توطيد العلاقات الثنائية والجماعية بين دول القارة وأن يكون التعاون من أجل التنمية للجميع هو شعارنا.
كما شهدت السنوات الأخيرة العديد من اتفاقيات الشراكة والتعاون «المصرية- الإفريقية» بل، وسجلت أكبر عدد من اتفاقيات ترفيع العلاقات مع الأشقاء الأفارقة إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية.
ليس هذا فحسب بل لم تتأخر القيادة السياسية المصرية عن المشاركة فى أى مؤتمر أو تجمع أو قمة إفريقية، وتحرص على أن تكون المشاركة بمستويات رفيعة، بعضها يصل إلى المستوى الرئاسى وبعضها بمستوى رئيس الوزراء أو الوزراء.
وخلال السنوات العشر الماضية وتحديدًا منذ تولت مصر رئاسة الاتحاد الإفريقي استطاعت أن تؤسس لشراكات إفريقية عالمية، منها الشراكة «الإفريقية- الروسية»، والشراكة مع الصين والشراكة مع أوروبا ولم يكن هذا إلا إيمانًا بقدرات القارة.. وأنها تستحق أن تكون في مكانة مختلفة.
ومشاركة الرئيس السيسي أمس الأول في قمة «إفريقيا إلى الأمام»، تأتي في هذا الإطار المصرى الداعم لفرص القارة في تنمية الشراكات المختلفة وبناء جسور التواصل العالمية المبنية على المنفعة المشتركة، وليس الاستغلال من طرف واحد، ولهذا جاءت الرؤية التي طرحها الرئيس في كلمته أمام القمة وأكد فيها على حلول عملية لقضايا القارة وفي مقدمتها الديون التي أثقلت كاهلها، فطرح الرئيس آليات جديدة لإنهاء وكسر هذه الحلقة المفرغة مثل استبدال الديون بمشروعات تنموية والتوسع في إصدار السندات الخضراء التي تملك إفريقيا ميزة كبيرة فيها، مع تطوير سياسات البنوك.
كما قدم الرئيس رؤية مصرية شاملة لتحقيق الأهداف التنموية المتعثرة في القارة وفي مقدمة ما تضمنته هذه الرؤية التعاون في سبيل تفعيل اتفاقية التجارة الحرة كسبيل ناجح لزيادة وتعزيز التبادل التجاري، وكذلك تشجيع صادرات الدول الإفريقية إلى الأسواق الخارجية ودعم الصناعات الوليدة لتنمو.
لم يكتف الرئيس بهذا، بل كان حريصا على تأكيد استعداد الدولة المصرية لتسخير خبراتها المختلفة لخدمة دول القارة، وربما تأتي جامعة سنجور التي افتتحها الرئيس بحضور نظيره الفرنسي ماكرون كجزء من الدعم المصرى للأشقاء في تأهيل الكوادر التي تتحمل مسئولية إدارة قضايا دول القارة.
إن التوجه المصرى لدعم الأشقاء الأفارقة واضح، ودعوتها للتكامل والتعاون صادقة لأنها ترى أن كافة الإشكاليات التي تواجه دول إفريقيا يمكن التغلب عليها لو تم وضع حلول منصفة وجماعية وتم تنفيذها.
إن مصر تؤمن بأن شعوب إفريقيا الذهبية بقدراتها وامكاناتها وثرواتها البشرية أولًا والطبيعية ثانيًا تستحق أكثر من هذا بشرط أن تحسن استثمار قدراتها وأن تتشابك الأيادي ليتحقق التعاون والتكامل من أجل المستقبل كما تؤمن مصر أن القارة السمراء يجب أن يكون لها صوت مسموع عالميًا، ولن يتحقق هذا إلا إذا أصبحت قضية دول القارة واحدة وصوتها موجد أمام كافة المؤسسات الدولية والمنظمات الدولية الكبرى، صوت يعبر عن حقوق القارة في التنمية والأمن والاستقرار، وهو أيضًا ما فعلته مصر عندما تحدثت بلسان إفريقيا للمطالبة بحقها في تعويضات تدعم خططها لمواجهة تداعيات التغيرات المناخية، وعندما طالبت بحقها في دعمها لمكافحة الفقر والبطالة والإرهاب، هكذا هي رؤية مصر للقارة السمراء، لكنها تحتاج أن تتكاتف الأيدى لدعم خطط تنفيذها.









