محطة إنسانية تكسر صمت الصحراء الشرقية
خارج حدود المدن الصاخبة، وبعيداً عن ساحات الأضرحة والمقامات المعتادة، نبتت في قلب الصمت الصخري لصحراء شرق أسوان لؤلؤة من نوع خاص. على طريق أسوان – برانيس الممتد لأكثر من 400 كيلومتر، لم تعد الرحلة مجرد عناء تحت الشمس الحارقة بل أصبحت تضم محطة “رست طريق” صوفية تسمى ساحة ميراث حضرة النبي
طراز بدوي وروح تاريخية
عند الكيلو 110 وتحديداً بعد أن تغادر أسوان وتتوغل شرقاً، تلوح في الأفق قبة مسجد واستراحة ضخمة تمتد على مساحة تقارب 500 متر لا تكلف في البناء، بل بساطة تأسر القلوب واجهة مزينة بمزاير المياه الملونة ومنتجات جريد النخيل التي تعكس هوية المكان.
بمجرد أن تطأ قدماك الساحة تستقبلك الأرضية الرملية الناعمة وسقف مصنوع من جريد النخل تسمح فتحاته بمرور خيوط الشمس في لوحة ديكورية طبيعية تنقلك فوراً إلى أجواء البيوت البدوية القديمة وهدوئها المعهود
رزق يوم بيوم.. اللقمة الهنية
في الداخل تنتظرك طبالي مصفوفة على الحصير في قعدة عربي أصيلة أما الطعام، فلا قائمة محددة له بل هو رزق يوم بيوم، قد يحالفك الحظ لتجد مائدة عامرة باللحم المسلوق والفتة والأرز أو قد تستقبلك بساطة الفول والجبنة القديمة أو العدس.. إلخ
وبعد الطعام لا تكتمل الضيافة إلا بـ ترمس الشاي الضخم وأكوابه المصفوفة بعناية بجانب عدة القهوة المتاحة لكل زائر ليصنع مشروبه بنفسه في دعوة مفتوحة للاسترخاء قبل استكمال الرحلة الطويلة تحت أشعة الشمس الساخنة
ليست للناس فقط.. راحة للبشر والحديد
تعتبر الساحة ملاذاً آمناً لرواد الطريق وزوار “الشيخ الشاذلي” هرباً من لظى الشمس وهي أيضاً فرصة تقنية لراحة محركات السيارات التي تعاني من الارتفاع الشديد في درجات الحرارة في تلك المنطقة الوعرة
اقتصاد المحبة.. منكم وإليكم
السؤال الذي يتبادر لذهن كل زائر: من ينفق على هذا الكرم في قلب الجبل؟ الإجابة تكمن في مبدأ التكافل فموارد الساحة تأتي من روادها تحت شعار منكم وإليكم. زائر يترك لفة سكر، وآخر يضع شيكارة أرز أو جراكن مياه عذبة، كلٌ حسب سعته.
ولا يقتصر الأمر على العابرين بل يساهم تجار سوق حلايب وشلاتين وزوار سيدي أبو الحسن الشاذلي، الذي يبعد 100 كيلو متر عن هذه الساحة، ولا ننسى دعم رعاة الأغنام الذين يجوبون الوديان المحيطة بتقديم الذبائح والمواشي دعماً للساحة لتظل أبواب ساحة ميراث حضرة النبي مفتوحة للجميع، شاهدة على أن الخير في قلب الصحراء لا ينقطع.
ومع اقتراب موسم الأشواق وشد الرحال إلى وادي “حميثرة” لإحياء مولد القطب الصوفي الكبير سيدي أبي الحسن الشاذلي، والمقرر موعدها يوم وقفة عرفات، تتحول ساحة ميراث حضرة النبي إلى خلية نحل لا تنام، وملاذ لا ينقطع خيره، كاسرةً بصمتها المعهود هدوء الصحراء لتقدم نموذجاً استثنائياً في الخدمة الصوفية العابرة للمدن
ساحة ميراث حضرة النبي، ليست ساحة لطريقة صوفية او شيخ محدد، بل تجمع رمزيات لكل الطرق الصوفية، من خلال لوحة جدارية داخل الساحة، تحمل صور كل شيوخ التصوف، مما يشير إلى انها ساحة جامعة لكل الأحباب














