أتذكر جيدًا أول مؤتمر حضرته خارج مصر، كان فى سريلانكا. وخلال إحدى جلساته الحوارية، طُلب منى أن أتحدث عن واقع الصحة الإنجابية فى مصر. لم أكن مستعدا للحديث .. وكانت ورطة .. فكنت أتصور انى ذاهب لأستمع فقط ..ولم أكن أتصور أن سيكون هناك نقاش مفتوح، وأسئلة مباشرة، وآراء متبادلة. هناك فقط أدركت أن المؤتمر الحقيقى لا يقوم على ما يُقال من فوق المنصة، بل على ما يُناقش بين الحضور.
تذكرت هذا المأزق حين قرأت خبرا نشره أحد الباحثين المتخصصين فى علم الفلك عن دراسة خلص فيها إلى وجود أدلة فلكية وأثرية حول مقبرة الملك الصغير توت عنخ آمون، تشير إلى أن المصرى القديم شيد مقابر ملوكه وفق مفهوم عقائدى يحقق دوام الاتصال الفلكى مع حركة الشمس وأضاف أنه عرض هذا البحث فى أحد المؤتمرات بجامعة عين شمس، ثم فوجئنا بعد يومين ببيان صادر عن اللجنة العلمية لنفس المؤتمر يؤكد أن البحث عرض بالفعل، لكنه قوبل بانتقادات واسعة، ما دفع اللجنة إلى عدم إدراجه ضمن كتيب الأبحاث لعدم التزامه بالقواعد العلمية.
الخبر فى حد ذاته لا يعنينا كثيرا، لكن الواقعة تطرح مسألة فى غاية الأهمية: ما هو مفهوم المؤتمرات؟ وما الهدف الحقيقى منها؟ فهى فى رأيى أمور باتت غير واضحة للكثيرين.
كلمة «مؤتمر» تعنى فى جوهرها اجتماعاً منظماً للحوار. وهو حدث علمى يعقد لعرض المستجدات فى مجال معين، فكرة أو تجربه أو بحث جديد ليس بهدف العرض فقط، بل الأهم هو مناقشة ما يعرض، واختبار جدواه، وتقييم محتواه من خلال حوار علمى هادف بين المشاركين. وعندما ينتهى هذا الحوار تتضح ملامح التقييم إما بقبول ما طرح وإدراجه ضمن توصيات المؤتمر أو بتسجيل ملاحظات نقدية قد تقتضى عدم قبوله بالصورة الحاليه.
أهم هدف للموتمر هو الحوار والنقاش وهذا بالفعل ماتعنيه كلمة مؤتمر باللغة الإنجليزية .. والمؤتمر الذى يخلو من الحوار لايعد كونه الا مجموعة من المحاضرات المتتالية العقيمة .وبالطبع، فهناك فوائد كثيرة اخرى للمؤتمرات فهى تتيح تبادل الخبرات، وبناء العلاقات، والتواصل مع مؤسسات علمية مختلفة، فضلا عن التعرف على ثقافات وتجارب إنسانية متنوعة. كما انها تزيد من مهارات التواصل والتعبير عن النفس والرأى ولعل المكاسب الإجتماعية مثل لقاء الأصدقاء والزملاء وبناء صداقات ومعارف جديدة وإتساع رقعة العلاقات المهنية قد يكون لها عائد طيب للغاية .
ومن أجل فهم أعمق لخصائص المؤتمر لعله يكون من المفيد التعريف بالأنشطة العلمية الأخرى التى تهدف إلى نشر المعرفة وبناء المهارات:
* المحاضرة: هينقل مباشر للمعرفة من خبير إلى مجموعة من طالبى العلم، وهى الأقل تفاعلية.
* الندوة: «السيمينار» مجموعة من الخبراء يناقشون موضوعا أمام جمهور أقل خبرة وعلما.
* الحلقة الدراسية «سيمبوزيوم» : عرض يقدمه باحث أو خبير أمام زملاء فى نفس المجال.
* الجلسة الحوارية: تفاعل مفتوح بين مشاركين من تخصصات مختلفة، والحضور جزء من النقاش.
* ورشة العمل: تركز على اكتساب المهارات من خلال التدريب العملى المباشر.
المشاركة فى المؤتمرات والأنشطة العلمية الأخرى هى من أهم ركائز الممارسة لمهنة الطب، حيث تتسارع المستجدات بشكل لافت. فهى ليست رفاهية، بل ضرورة لمواكبة التطور، وتبادل الخبرات، واكتساب المهارات، وبناء شبكات تواصل فعالة.
ولهذا، تحرص العديد من الدول على تحفيز العاملين فى القطاع الصحى للمشاركة فى هذه الأنشطة، من خلال أنظمة نقاط مهنية تحتسب للمشاركة فى المؤتمرات والأنشطة العلمية الأخرى أو تقديم الأبحاث أو رئاسة الجلسات أو المشاركة فى اللجان العلمية، مع اشتراط حد أدنى سنوياً منها كمتطلب لممارسة المهنة، وهو ما يعزز من الاهتمام المستمر بالعلم ويرتقى بجودة الأداء. ومن هنا نجد شغفا كبيرا لدى الأطباء حديثى التخرج فى هذه البلدان للمشاركة فى الأنشطة العلمية .. بينما لا نراهم فى الأنظمة التى لاتستوجب جمع النقاط العلمية.









