بين رهانات الاستدامة العابرة للحدود وتقلبات الجغرافيا السياسية المعقدة، وضعت مؤسسة «مناخ أرضنا»- الشريك الوطني لمبادرة «تيراميدا» الدولية- ملف التحول الأخضر على طاولة البحث؛ حيث أطلقت ورشة عمل رفيعة المستوى تحت عنوان «التحول الطاقي في عصر الصراعات الجيوسياسية»، استهدفت نخبة من الصحفيين والإعلاميين المعنيين بقضايا المناخ.
تأتي هذه الفعالية كحجر زاوية في استراتيجية المؤسسة لدعم مسارات الطاقة النظيفة، ضمن أنشطة مشروع الترويج للطاقة المتجددة؛ اتساقاً مع رؤية مصر 2030 الساعية لتكريس الاستقلال الطاقي وتحقيق التنمية المستدامة، كدرع واقٍ في مواجهة العواصف العالمية الراهنة.
الإعلام شريك الاستدامة
استهل المهندس علي سمير، رئيس مجلس أمناء مؤسسة “مناخ أرضنا”، حديثه بالترحيب بالحضور، مؤكداً أن الإعلام يمثل القوة المحركة الأساسية لأي حراك بيئي، باعتباره الشريك القادر على إيصال قضايا الاستدامة إلى عمق المجتمع.
وأوضح سمير أن المؤسسة، رغم حداثتها (تأسست عام 2022)، حققت حضوراً دولياً بارزاً باختيارها مراقباً غير حكومي في قمة المناخ COP27 بتزكية رسمية. كما أشار إلى نجاح مبادرة «لاماسون» التي شملت 12 محافظة مصرية، وحولت التنوع التراثي إلى منصة للإبداع الشبابي، مؤكداً رفض المؤسسة لفكرة «البطولة الفردية» واعتمادها الكلي على العمل الجماعي ودمج الشباب من الجنسين.
وفي إطار التحول نحو “الجامعات الخضراء”، استعرض سمير مشروع تحويل كلية الصيدلة بجامعة الإسكندرية إلى كلية صديقة للبيئة بالتعاون مع مرفق البيئة العالمي، عبر الاعتماد على الطاقة الشمسية وإعادة استثمار الوفورات المالية لدعم أنشطة الكلية.
صناعة الوعي الأخضر
من جانبه، أكد المهندس فارس محمود، خبير التنمية المستدامة بالمؤسسة، أن البرنامج التدريبي يهدف لبناء جسور تواصل مستدامة بين الخبراء والإعلاميين. وأوضح أن «مناخ أرضنا» تسعى لتمكين الصحفيين من فهم آليات الطاقة المتجددة، تزامناً مع مشاركة مصر في مبادرة «تيراميدا» الدولية، التي تستهدف رفع مساهمة الطاقة النظيفة في مزيج الطاقة بمنطقة البحر المتوسط بحلول عام 2030.
وكشف محمود عن خطة المؤسسة لتأسيس مركز فكري متخصص في أبحاث الطاقة المتجددة داخل مصر، ليكون منصة علمية تدعم صناع القرار وتعزز توجهات الاستثمار الأخضر.
الوعي والتحديات المناخية
أكدت الدكتورة نادية المصري، استشاري تغير المناخ، أن الإعلام الفاعل هو القادر على تبسيط القضايا التقنية بعيداً عن “التهويل أو التهوين”. وأشارت إلى ضرورة ربط القضايا البيئية بالحياة اليومية للمواطن (مثل الغذاء والصحة والأسعار) لتحفيز تغيير السلوك المجتمعي.
وحذرت المصري من خطورة المعلومات غير الدقيقة في الملفات المرتبطة بالأمن القومي، داعية الصحفيين إلى ضرورة التدقيق في المصادر والتمييز بين البيانات المالية والفنية، والابتعاد عن “السبق الرقمي” على حساب الحقيقة. كما انتقدت التناقض لدى بعض شركات النفط التي تعلن التزامها بالحياد الكربوني بينما تستمر في زيادة إنتاج الوقود الأحفوري.
التحول الأخضر الإقليمي
أوضحت رحاب عبد المحسن، المنسق الإعلامي لمبادرة «تيراميدا»، أن المبادرة تمثل تحالفاً استراتيجياً بين شمال وجنوب المتوسط (مصر، المغرب، إيطاليا). وتهدف المبادرة إلى تسريع إنتاج الطاقة المتجددة للوصول إلى 800 ميجاوات بحلول 2030 من مصادر متنوعة تشمل الهيدروجين والأمونيا الخضراء.
وشددت عبد المحسن على أن التحول للطاقة المتجددة هو قضية أمن قومي، حيث يقلل الاعتماد على المصادر الخارجية ويحمي الاقتصاد من اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.
الاستدامة بروح المغامرة
وعلى هامش الندوة، استعرض المغامر المصري علي عبده، عضو المجلس الاستشاري للمؤسسة وأول عربي يدخل موسوعة “جينيس” عبر المركبات الكهربائية، مسيرته التي تحولت من تحقيق الأرقام القياسية إلى العمل التنموي التطبيقي.
وأعلن عبده عن تأسيس «استوديو استدامة أفريقيا والشرق الأوسط»، كمبادرة تهدف لتحويل الخبرات الميدانية إلى حلول عملية لمواجهة أزمات المناخ والزراعة والمياه، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تتطلب “صناعة حلول” لا مجرد “نشر وعي”.
خاتمة وتكريم
وفي ختام الفعالية، كرم المهندس علي سمير الحضور من الصحفيين والإعلاميين، مؤكداً أن ورشة العمل لم تكن مجرد فعالية تدريبية، بل منصة حوارية لصياغة خطاب إعلامي مسؤول يواكب تحول الطاقة من ملف تقني إلى أحد أبرز محددات الاستقرار العالمي.














