المشاهد التى تحدث فى العقود الأخيرة فى مجال التعليم تثير فى النفس الأسى والحزن والشجن، ومنها ما قام به تلاميذ إحدى المدارس بتمزيق الكتب كلها فور خروجهم من الامتحان ـ ولا فرق إن كان ذلك قبل ظهور النتيجة أو بعدها- فالتصرف مؤلم بلا حدود، ومهما كانت الأسباب والدوافع فهو ذو دلالة تدق ناقوس الخطر بشدة، وتنبيء عن وجع وألم فى قلب العملية التعليمية.
ثم نجد تلميذا يتعدى على معلمه بمطواة أو ركلا أو ضربا، وأحيانا تنمرا واستهزاء يفوق ما كان يحدث فى الدراما بمسرحية مدرسة المشاغبين أو ما فعله التلاميذ فى «رمضان مبروك أبوالعلمين حمودة»، وما يحدث من ذلك كثير منه ما يصل إلينا ومنه ما لا نعرفه، وفى المقابل وجدنا ـ بكل أسف أيضا- تعديات من معلمين على تلاميذ بشكل بعيد عن التربية والتعليم ويتعدى الحدود من القسوة ويصل إلى الإصابات البالغة وربما إلى محاكم الجنح والجنايات.
ومن باب الضرورة، لا بد أن أعود كثيرا بالذاكرة إلى الوراء، تعلمنا فى الأساس: «قم للمعلم وفه التبجيلا.. كاد المعلم أن يكون رسولا»، وتعلمنا «أن من علمنى حرفا.. صرت له عبدا»، وكل ما له علاقة بالاحترام والتربية والأخلاق، وكانت تلك الشعارات على الكتب والجدران، قولا وعملا، فعندما كنا تلاميذ كنا نخاف من معلمينا خوفنا من أبائنا وأمهاتنا، ونحترمهم قدر احترامنا لوالدينا، وما زلنا على ذلك رغم مرور أكثر من نصف قرن على نفس الحال بمن نعرف منهم ونتواصل معهم بنفس الأسلوب رغم الشيب الذى فشا فى رءوسنا، وكنا لو رأينا أحدهم يسير فى الشارع مصادفة نغير الطريق أو نتخفى منه احتراما، وفى الحقيقة كان ذلك نابعا من البيت والمدرسة معا والتربية المشتركة فى كل منهما،بل حين كان يشكو تلميذ من معلمه فإن الأب لا ينصف ولده على أستاذه مهما كان الأمر ولا يعاتبه ولا يواجهه، لأنه يعرف وبيقين أن المعلم ما ضرب وما نهر وما فعل أى شيء إلا من أجل تعليم التلاميذ.
من جانب آخر وبكل تأكيد، تتفاوت درجة حب التلاميذ للتعلم والدراسة، وكثيرون خاصة صغار السن فى المراحل الأولى يريدون اللعب واللهو لا العلم والدراسة، ومعظمهم يكرهون الواجبات المنزلية، وبعضهم يستعصى عليه بعض المواد ويتعثر فى فهمها فيكون بينه وبينها حواجز تحتاج إلى معالجات خاصة، ومنهم من يكره الاستيقاظ مبكرا والاستعداد وارتداء الزى المدرسى وحمل الحقائب المكتظة بالكتب والكراسات والأدوات، وكأنه مقبل على عقاب يتكرر يوميا، وهنا يحضرنى موقف فى إحدى المدارس البلجيكية، عندما أراد تلميذ أن ينزل من الطابق الرابع كل يوم على حبل لا على السلم، لأنه يجد متعة فى ذلك، وما كان من المدرسة إلا أن جاءت بالحبل ووفرت له وسائل الأمان التى تحميه، وكان يفعل ذلك بسعادة، ولم تتردد المدرسة فى تلبية رغبته وإن رأينا أنها غريبة وخطيرة، وفى الواقع لا يمكن أن يلومها أحد لو امتنعت عن تنفيذ هذه الرغبة الخطرة، لكن المدرسة كانت حريصة على تحقيق ما يريد حتى يظل يحب التعلم ولا يكون فى نفسه شيء سلبى يؤثر على تحصيله الدراسي.
ومن جانب آخر، ليس كل المعلمين مؤهلين نفسيا ولا تربويا للتعامل مع هذه الفئات العمرية، ففى بعضهم قسوة وجفوة وغلظة وعدم مراعاة لنفسية واحتياجات التلاميذ، ويفتقدون مهارة العلاج والتعامل مع التصرفات غير العادية، ولا يشجعون التلاميذ المتفوقين والمتميزين، وأحيانا يتساوى عندهم هؤلاء وأولئك، بل يخرجون معاناتهم المعيشية أو مشاكلهم الأسرية فى التعامل بالفصول.
صحيح أن التصرفات الغريبة من جانب التلاميذ والمعلمين، ليست عامة بين الجميع، لكنها ظاهرة ولو كانت محدودة وقليلة لكنها خطيرة، تحتاج إلى دراسةوعلاج سريع، واستئصال أسبابها فورا حتى لا تتفشى وتنتشر وتصبح قاعدة بدلا من الاستثناء الآن، فالتعليم هو العمود الفقرى للأمة، وعليه تقوم نهضتها واقتصادها وحضارتها، ويبنى حاضرها ومستقبلها، فالقضية ليست بالأمر الهين الذى يحتمل التأجيل.









