فى فيلم «مهمة فى تل أبيب»، هناك مشهد مهم تتمكن فيه البطلة-الفنانة نادية الجندي-من دخول مقر الموساد والحصول على المواد المُكَلَفَّة بالوصول إليها، كلمة السر التى دخلت بها ذلك المقر الحصين هى «خالتى بتسلم عليك»، ومنذ عرض ذلك الفيلم سنة 1992، صارت كلمة «خالتي بتسلم عليك»، أقرب إلى «نكتة» أو «إفيه» يردده الكثيرون فى مختلف المواقف.
ويبدو أن حكاياتنا طويلة مع الخالة أو «خالتي»، خرجت من عالم الدراما إلى عالمنا الافتراضى أو الواقعى، آخر ظهور للخالة، عبر الأزمة أو الجريمة التى نتعرض لها وهى الدعوة إلى تجنب الأدوية، خاصة لمرضى السكرى، ومرضى السرطان، أطفال ومرضى، توقفوا عن استعمال الأنسولين وحدثت حالات وفاة.
أستاذة جامعية منخرطة فى الدعوة لعدم تناول الأدوية كتبت أن خالتها عاشت أكثر من تسعين عامًا ولم تذهب إلى طبيب ولا تناولت أدوية، صحيح أنها هى نفسها مرت من قبل بأزمة صحية ولم تقتنع بالطب والأطباء فى مصر وسافرت إلى إحدى الدول الأوروبية حيث تلقت العلاج والرعاية، ثم عادت بعد أن مَنَّ الله عليها بالشفاء، نسيت تجربتها، التى يعلمها كثيرون وتذَكرت خالتها، التى لا يَعرف غيرها قصتها، وهكذا ما وصل إلينا نحن هو “طب خالتى”، بفرض أن واقعة الخالة صحيحة، وليست وليدة الخيال أو الهلاوس وربما أمور ودوافع أخرى.

ونحن نستعد فى مصر للاحتفال بمرور مائتى عام على تأسيس «طب القصر العينى»، انتقل الطب فى مصر من مجال الوصفات الشعبية وعالم حلاق الصحة إلى أن صار عِلْمَا رفيع المستوى، من حقنا أن نفخر بالطب والأطباء المصريين، أجيال وراء أجيال، ورموز عالمية كبيرة، فقد صار عندنا قلاع طبية من القصر العينى إلى معهد القلب، ومركز الكُلَىَ فى المنصورة، ومعهد الكبد، ومركز مجدى يعقوب فى أسوان وغيرها وغيرها، حتى أن المريض المصرى لم يعد بحاجة إلى قرار علاج بالخارج إلا فى حالات نادرة جدا جدا، بعد كل هذا وبرغمه، نجد أنفسنا أمام معضلة اسمها «طب خالتى».
قبل عامين حققت مصر إنجازًا طبيا كبيرا، أقرت به منظمة الصحة العالمية وهو النجاح فى القضاء على مرض “فيروس سى”، الذى ظل ينهش أكباد المصريين طوال عشرات القرون، وكان علاج ذلك المرض ومضاعفاته ميؤوسا منه..عشرات الأسماء رحلت عَنَّا مبكرا بسبب ذلك المرض اللعين مثل النحات العظيم: محمود مختار، والفنان عبد الحليم حافظ، لكن بجهد طبى جبار وأدوية ناجعة صارت مصر خالية من ذلك المرض.. قبل هذا النجاح بأكثر من عقدين نجحت مصر فى القضاء على مرض شلل الأطفال، الذى كان يصيب بعض الأطفال فيعوق حياتهم.
تحقق هذا النجاح بحملة تطعيمات مكثفة وناجحة، نداءات للأسر لتطعيم الأطفال مجانًا وتحملت الدولة كل التكلفة فى النهاية تخلصنا من ذلك المرض اللعين.
فى كل حالة، كان هناك موقف وإرادة سياسية لدى الدولة للحفاظ على سلامة وصحة مواطنيها، وبالإضافة إلى ذلك تحققت هذه النجاحات بفضل كوادر طبية مؤهلة وعالمة وأحدث وسائل العلاج والأدوية، ثم بعد ذلك يأتى من يريدون لنا أن نعطى ظهرنا للطب وأن نَكف عن تناول الأدوية، خاصة تلك التى تتعلق بالحالات الحرجة من السُكرى إلى السرطان.
هناك شكوى من مبالغة بعض شركات الأدوية فى أسعار بعض الأدوية، خاصة تلك التى تتعلق بالأمراض المزمنة، حيث لا يمكن للمريض الاستغناء عنها، مثل مرضى القلب والسكرى والأورام وغيرها، هذا كله نعرفه ونعانى منه جميعًا، وإذا كانت الشركات تبالغ فى الأسعار وتتربح مستغلة ظروف المرضى فإن الحل ليس ان نستغني عن الأدوية ونلقي بها في البالوعات.
وهناك كذلك شكوى من مبالغات بعض الأطباء في أسعار الكشف وبعض الجراحات، الأرقام تعجز في بعض الحالات الكثيرين، لكن التعامل مع هذه المشكلة ليس ان نهجر الطب ونقاطع الأطباء، اعتمادًا على «طب خالتي» أو نستعيد «حلاق الصحة».
فى مشكلة الأدوية وأسعارها تتجه الدولة إلى توطين صناعة الدواء وأن تكون لدينا شركات أدوية وطنية، فقد أسعدني ما سمعته، قبل ثلاثة أيام، من مسؤول رفيع المستوى أننا وصلنا إلى تصنيع حوالى 80% من الأدوية التى نحتاجها، وننتظر أن توفق الحكومة فى أسرع وقت إلى تطبيق نظام التأمين الصحي الشامل.
المشكلة أن الدعوات إلى الانتحار بإلقاء الأدوية، خاصة فى الحالات الحرجة، والابتعاد عن الطب والأطباء، تَصْدُرُ عن أفراد من النُخبة المتعلمة، مفترض أنهم وصلوا إلى أرفع درجات علمية، بالحصول على الدكتوراه والأستاذية فى تخصصات مهمة، معظمهم من أبناء التعليم المجانى، أي أن الدولة أنفقت عليهم، ثم بعد ذلك يعادون العلم ويتبنون الجهل، ويصرون عليه ويروجون له.
تُرى هل كل ما قاموا به أنهم “حفظوا “المقررات ونجحوا ثم نالوا وظائف رفيعة، وبقيت عقولهم وأرواحهم صدئة، لم يصل إليها شىء من العلم والمعرفة، الشهادات العليا منحتهم قدرة وغطرسة الجهر بمعاداة العِلْمِ والطب وتَبَنِّى الدعوات الانتحارية والجهالة؟
حين كان رفاعة رافع الطهطاوى فى السفينة متجهًا إلى فرنسا، سنة 1828، توقفت السفينة فى ميناء تونس بالبحر المتوسط، وهناك رأى معركة حادة بالعصى بين طرفين، بسبب الحَجْر الصحي، طرف عنيف يرى ن فكرة الحَجْرَ يمثل عدم احترام لقضاء الله وقدره، فإذا كان هناك إنسان مُقَدَّرٌ له أن يموت فلا يصح أن نتدخل بالحَجْرِ الصحى لتعطيل قضاء الله، وكان ذلك رأيًا فقهيا، ولكن كان هناك رأى مقابل يذهب إلى أن الله سبحانه وتعالى أَمَرَنا أن نأخذ بالأسباب، واستشهد هؤلاء بالتاريخ والدور الطبى فى الحضارة الإسلامية، فى النهاية انتصر رأى الأخذ بالأسباب، وكان ذلك قبل قرنين، وفى لحظة تاريخية مغايرة، نحن لسنا بإزاء خلاف فقهى، بل ما يمكن أن نسميه اللاعقل.
هل هي الاستهانة بالحياة وأرواح المرضى، مرة أخرى، هل نحن بإزاء دعوات انتحارية، متخفية فى رداء الاحتجاج على أسعار الأدوية أو عدم نجاعتها؟
هل بات مطلوبًا مِنَّا أن نُغلق القصر العينى ومئات المستشفيات والمراكز الصحية والطبية، ونعود الى حلاق الصحة وطب خالتى.
هل لنا أن نحزن ونأسف للنجاح الكبير الذى تحقق بالقضاء على فيروس سى؟
أعرف أن هناك من لا يسعدهم، بل يتعسهم أى نجاح تحققه الدولة، خاصة فى جانب الخدمات للمواطنين، ترى هل غير هؤلاء سحنتهم وأفكارهم خلف دعوات مقاطعة الدواء والطب؟ يذهب بعضهم إلى الخارج بانتظام لإجراء فحوص طبية، بينما يطالبون المريض البسيط الاستهانة بالطب والدواء.
الجماعات الإرهابية والدواعش كانوا وراء العمليات الانتحارية، هل طَوَّرَ بعض أصحاب الدرجات العلمية تلك العمليات إلى أفكار وقواعد انتحارية يمارسها الضحايا بأنفسهم ضد أنفسهم؟
حين نطالب مريضا بعدم تناول الأنسولين، فهذا يساوى حَرْفِيا إنهاء حياته، بالتخلص من الدواء أو بعملية إرهابية.
يبدو أننا أمام دواعش يحملون الدكتوراه والأستاذية، ويسعون لنيل جوائز الدولة، ويمارسون الإرهاب بلا “سى فور” وبلا أحزمة ناسفة وتفجيرات على البُعد.









