يمر العالم بأسره – والدولة المصرية بقلبه – بمرحلة اقتصادية استثنائية تتشابك فيها التداعيات الجيوسياسية مع التغيرات المناخية واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية. وفى هذا السياق، لم يعد الاقتصاد مجرد أرقام تناقش فى غرف مغلقة أو تقارير، بل أصبح واقعا يمس تفاصيل الحياة اليومية لكل مواطن. إن وعى الشعب المصرى بطبيعة هذه الأزمات وكيفية التصدى لها ليس مجرد رفاهية فكرية، بل هو ضرورة حتمية للأمن القومى والاستقرار المجتمعي.
الوعى الاقتصادى لا يعنى بالضرورة الإلمام بالنظريات الأكاديمية المعقدة، بل هو قدرة المواطن على فهم العلاقة بين المتغيرات العالمية والمحلية وتأثيرها على قوته الشرائية ونمط استهلاكه. هو إدراك أن التضخم، وارتفاع أسعار الفائدة، وتقلبات أسعار الصرف، ليست أحداثا معزولة، بل هى نتاج سياق عالمى ضاغط يتطلب استجابة مرنة وواعية.
فى أوقات الأزمات تزداد الأخبار الزائفة والتحليلات الهدامة التى تهدف لإثارة الذعر. المواطن الواعى يستطيع التمييز بين الحقيقة والتهويل، مما يحافظ على السلم الاجتماعي. عندما يدرك المواطن أبعاد الأزمة، يتحول من مستهلك عشوائى إلى مستهلك رشيد، يعيد ترتيب أولوياته بما يتناسب مع الموارد المتاحة، وهو ما يقلل من حدة الطلب على السلع غير الأساسية ويوجه السيولة نحو الضروريات. وأى إصلاح اقتصادى يتطلب ظهيرا شعبيا متفهما. الوعى يقلل من فجوة الثقة بين صانع القرار والمواطن، حيث يدرك الأخير أن بعض الإجراءات الصعبة هى دواء مر لابد منه لتجنب كوارث أكبر فى المستقبل. إن التصدى للأزمة ليس مسؤولية الحكومة وحدها، بل هو عقد اجتماعى يتطلب مشاركة فاعلة من الأفراد من خلال عدة محاور، منها التصدى للأزمة يتطلب تحولا ثقافيا نحو دعم المنتج المحلى كبديل للاستيراد، والبحث عن فرص لزيادة الدخل من خلال المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر. إن كل قرش يدفع فى منتج مصرى هو دعم مباشر للعملة المحلية وفرص العمل.. ولابد من محاربة الجشع والممارسات الاحتكارية.
الوعى المجتمعى يعنى أن المواطن هو الرقيب الأول. ويجب مقاطعة السلع التى ترتفع أسعارها بشكل غير مبرر، والإبلاغ عن المحتكرين، والامتناع عن تخزين السلع بكميات تزيد عن الحاجة وهو ما يخلق أزمة مفتعلة، كلها أدوات شعبية فعالة لضبط الأسواق.
وتاريخ المصريين مليء بصور التكافل فى الأزمات. الوعى الاقتصادى يقتضى تعزيز هذه الروح عبر مبادرات مجتمعية منظمة لدعم الفئات الأكثر احتياجاً، مما يمنع انزلاق الطبقات المتوسطة إلى مستويات معيشية متدنية ويحفظ التوازن الطبقي.
لا يمكن إلقاء العبء كاملاً على المواطن دون تزويده بالمعلومة. وهنا تبرز أدوار حيوية مثل الإعلام، ويجب أن يتحول من إعلام تغطية الحدث إلى إعلام تفسير الحدث وتبسيط المفاهيم الاقتصادية للرجل البسيط.
كما يجب غرس قيم التدبير والعمل اليدوى وحرمة الاحتكار وأهمية العمل الجماعى فى نفوس الشباب والأطفال. أما المجتمع المدنى كحلقة وصل تقوم بتوعية المواطنين فى القرى والنجوع بكيفية إدارة الميزانيات الأسرية فى ظل التضخم.
إن الأزمات الاقتصادية برغم قسوتها، قد تكون فرصة لإعادة بناء الشخصية المصرية على أسس من الكفاءة والإنتاجية. المصريون الذين شيدوا الحضارات وحققوا الانتصارات فى أصعب اللحظات، قادرون اليوم على عبور هذه الأزمة بوعيهم وصبرهم وثقتهم فى قدرتهم على التغيير.
إن التصدى للأزمة يبدأ من «العقل» قبل «الجيب» فالمجتمع الذى يفهم حجم التحديات هو المجتمع الذى يمتلك القدرة على تحويلها إلى فرص. فلنجعل من الوعى الاقتصادى ثقافة يومية، ومن العمل والترشيد سلاحاً، لكى تخرج مصر من هذه المرحلة أكثر قوة وصلابة، مستشرفةً مستقبلاً يليق بتاريخها وتضحيات أبنائها.
وللحديث بقية.









