- 57 قيادة تعليمية تغيّرت في عهد عبد اللطيف.. والسيدات يتصدرن المشهد في أكبر المديريات
- «شيرين» و«جعفر» الأبرز في إعادة الهيكلة.. واتجاه لتصعيد خريجي «1000 مدير مدرسة»
لم تعد قرارات وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، محمد عبد اللطيف، مجرد حركة تنقلات روتينية، بل تحولت خلال 22 شهر الماضية التى تولي بها المسئولية إلى ما يشبه «إعادة ضبط شاملة» داخل واحدة من أكثر الوزارات تعقيدًا وتشابكًا في مصر.
في الكواليس، يُوصف ما يجري بأنه تفكيك تدريجي لـ”مراكز قوي” وظيفية تراكمت عبر سنوات، بينما على السطح يبدو المشهد كحركة تدوير واسعة تستهدف رفع كفاءة الأداء وإعادة توزيع الأدوار.. ولاستبعاد قيادات تدور حولها علامة استفهام.
خريطة جديدة للنفوذ
خلال عامي 2024 و2025، شهدت الوزارة تغيير 57 قيادة تعليمية، ما بين مديري مديريات ووكلاء ومستشارين ومساعدي وزير، امتدت إلى 23 محافظة، في واحدة من أوسع عمليات إعادة الهيكلة في تاريخ الوزارة الحديث.
اللافت أن هذه التغييرات لم تكن دفعة واحدة، بل جاءت على 5 مراحل، في انعكاس واضح لسياسة “النفس الطويل” التي اتبعها الوزير، قبل الانتقال إلى قرارات أكثر حسمًا مع نضج المشهد واقتراب استحقاقات مفصلية مثل امتحانات نهاية العام سواء للشهادة الإعدادية أو الثانوية العامة أو بدء القبول في الموسم الجديد بالمدارس.
وكانت المرحلة الخامسة والأخيرة قبل يومين هى الأوسع داخل ديوان عام الوزارة، بعدما اعتمد الوزير حركة تغييرات تنظيمية جديدة شملت استحداث الإدارة المركزية للتربية الخاصة، وإلغاء الإدارة المركزية للتسرب التعليمي والإدارة المركزية للاستثمار والتمويل، إلى جانب إعادة توزيع عدد من القيادات التنفيذية داخل القطاعات المختلفة، في إطار إعادة هيكلة منظومة العمل الإداري وتطوير الأداء المؤسسي.
محافظات كبرى مثل القاهرة والسويس والقليوبية كانت الأكثر تأثرًا، حيث تكررت فيها عمليات النقل والتدوير، في مؤشر على سعي الوزارة لاختبار القيادات ميدانيًا وإعادة توزيعها وفق احتياجات كل مرحلة.
بل امتدت المسألة إلي الاستعانة بقيادة كبري للعمل في احدي المحافظات الساحلية الحدودية لضبط منظومة العمل بها بعد القبض علي وكيلها السابق من قبل الرقابة الإدارية فى واقعة فساد.

«دائرة صنع القرار»
أحد أبرز ملامح هذه الموجة، أنها لم تتوقف عند الأطراف في المحافظات، بل وصلت إلى قلب صنع القرار.. فيما يعرف بدائرة صنع القرار حيث تم إبعاد شيرين حمدي من رئاسة مكتب الوزير واستبدالها بالدكتور أحمد المحمدي، بعد سنوات من البقاء في هذا الموقع الحساس مع الوزيرين الدكتور طارق شوقي ثم الدكتور رضا حجازي، في رسالة واضحة بأن «المناطق المحصنة» لم تعد موجودة بالوزارة.
«تغيير فريق كامل»
كما جاء نقل هشام جعفر من موقعه كمساعد للوزير لشؤون التعليم الخاص والدولية و مجموعة مداوس 30 يونيو، ليؤكد أن الملفات الأكثر حساسية لم تعد بعيدة عن إعادة التقييم، خاصة مع ما يحمله هذا القطاع من تشابكات وتأثيرات واسعة في المدارس الخاصة والدولية ومدارس 30 يونيو.
القرار نفسه له أكثر من دلالة حيث أن الاستبعاد لم يتم لمساعد الوزير لشؤون التعليم الخاص ونقله إلى محافظة حدودية لحين انتهاء التحقيقات، بل اشتمل لأول مرة في تاريخ وزارة التربية والتعليم تقريبًا على نقل فريق عمله بالكامل.
هذه الخطوة تعكس تحولًا نوعيًا في إدارة ملفات التغيير بوزارة التربية والتعليم، من التعامل مع الأفراد إلى إعادة تفكيك شبكات العمل المرتبطة بهم، وهو ما اعتبره متابعون إعلانًا عمليًا لنهاية مرحلة «الحصانات الوظيفية».
«التدوير الجغرافي»
في نفس السياق، تكشف حركة التغييرات التى تمت حتى الآن بعهد الوزير محمد عبد اللطيف، عن اعتماده بشكل لافت على ما يسمي بسياسة “التدوير الجغرافي” كأداة لإعادة ضبط الأداء في منظومة التعليم، حيث تم نقل قيادات من محافظات كبرى إلى أخرى أصغر أو حدودية، في محاولة لكسر تمركز النفوذ داخل العاصمة وإعادة توزيع الخبرات بشكل أكثر توازنًا.
هذا النهج لم يكن مجرد إجراء إداري، بل يحمل بعدًا استراتيجيًا يستهدف إنهاء حالة الاستقرار الطويل لبعض القيادات، والتي تحولت في أحيان كثيرة إلى مراكز قوي مستقلة داخل المنظومة التعليمية.
«تمكين المرأة»
وبالنسبة لنوعية القيادات، فرغم اتساع دائرة التغييرات، لا تزال الفجوة النوعية قائمة، وإن شهدت تراجعًا نسبيًا بعد المرحلة الأخيرة من التعديلات.
فالأرقام تشير إلى أن الرجال يشكلون نحو 70% من القيادات التي شملها التغيير، مقابل قرابة 30% للنساء، بعدما ارتفع عدد القيادات النسائية مع التعيينات الأخيرة داخل ديوان الوزارة.

وبرز في هذا السياق اتجاه الوزارة للاستعانة بقيادات نسائية تمتلك خبرات إدارية وأكاديمية طويلة، وتحظى بسمعة مهنية قوية، وفي مقدمتها الدكتورة فاتن العزازي، المدير السابق للمركز القومي للبحوث التربوية والتنمية، والتي جرى الدفع بها لرئاسة المعاهد القومية، في خطوة اعتبرها متابعون مؤشرًا على الرهان على الكفاءة والخبرة في إدارة الملفات التعليمية الحساسة .. كما شملت التغييرات تكليف أمل الهواري برئاسة مجموعة مدارس 30 يونيو.
ومع ذلك، فإن حضور المرأة لم يكن هامشيًا، حيث تولت سيدات إدارة مديريات كبرى، مثل سماح إبراهيم التي تولت مديرية التعليم بالقاهرة، ثم همت أبو كيلة التي تدير المديرية حاليًا، والتي تُعد أكبر مديريات التعليم بالمحافظة، إضافة إلى مواقع مؤثرة داخل ديوان الوزارة، إلى جانب القيادات الجديدة مثل سحر الألفي وأماني الفار، بما يعكس توجهًا تدريجيًا نحو تمكين أكبر للمرأة داخل المنظومة التعليمية.
جيل جديد على الأبواب
وعلي صعيد تلك التحركات، فلقاءات الجماعية مع قيادات الإدارات التعليمية والمدارس وجولات وزير التعليم تشير إلى أن الأنظار حاليا تتجه إلى جيل جديد من القيادات، خاصة خريجي البرنامج الرئاسي “1000 مدير مدرسة”، الذين يتم إعدادهم وفق فلسفة إدارية حديثة تقوم على الكفاءة والرقمنة وإدارة الأداء.
ويأتي ذلك بالتزامن مع بلوغ عدد من القيادات التنفيذية الحالية لسن التقاعد، مع مد خدمتهم مؤقتًا لحين انتهاء امتحانات الثانوية العامة، ما يمهد الطريق أمام موجة تغييرات جديدة قد تكون الأوسع والأعمق.
في النهاية، يصعب اختزال ما يجري داخل وزارة التربية والتعليم في توصيف واحد .. فهناك من يراه تفكيكًا لمراكز قوى قديمة، ومن يعتبره إعادة بناء ضرورية لمنظومة تواجه تحديات غير مسبوقة، يبقى المؤكد أن المشهد تجاوز فكرة “حركة تنقلات” إلى تحول هيكلي عميق.
التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تغيير القيادات، بل في ترجمة هذه التحولات إلى تحسن ملموس في جودة التعليم داخل الفصول.. فنجاح هذه المرحلة لن يُقاس بعدد القرارات، بل بمدى انعكاسها على الطالب والمعلم، وهو الرهان الذي سيحسم تقييم التجربة التعليمية بأكملها في السنوات المقبلة .. خاصة مع اقتراب تطبيق شهادة البكالوريا كبديل عن نظام شهادة الثانوية العامة القديمة.









