«الأشقاء» ليس كلامًا.. بل فعل ومواقف حقيقية.. البعض يرفع الشعارات لمجرد التباهى والمزايدة، ووقت الجد لا تراه ولا تجد له أثرًا، لكن مصر دائمًا تعرف معنى الأخوة وحقوق الأشقاء، تتحرك سريعًا وتقف بثبات وتساند بكل قوة، والزيارات السريعة للرئيس عبدالفتاح السيسى إلى الأشقاء فى دول الخليج ليست سوى تجسيد واضح لمعنى الأشقاء، ومبدأ المصير الواحد بين مصر والدول العربية الذى يعلنه ويؤمن به الرئيس، فالسند ليس بالكلام وإنما بالفعل.
وعندما أعلن الرئيس السيسى منذ سنوات «مسافة السكة»، تساءل البعض عن كيفية تنفيذ هذا المبدأ، بل اعتبره البعض نوعًا من التعبير عن الدعم المعنوى، لكن مواقف كثيرة أثبتت أنها ليست مجرد مقولة بل عنوان حقيقى لتوجه فعلى، ثم جاءت المحنة الأخيرة مع الحرب «الأمريكية- الإيرانية» لتؤكد أن الرئيس السيسى لم يكن يطلق شعارًا لدغدغة المشاعر الخليجية، وإنما كان يعبر عن عقيدة مصرية راسخة، وأنه وقت الجد لن يجد الأشقاء سندًا لهم مثل مصر.

بالتأكيد لا تحتاج مصر ولا الأشقاء لإعلان ما يجرى من تنسيق ولا ما يتم من تفاهمات أو تعاون، ففى العلاقات بين الدول ليس كل ما يجرى يتم الإعلان عنه، ولذلك تحملت مصر طوال الفترة الماضية الكثير من التطاول والسخافات من بعض الجهلة والمتربصين وقصار النظر، ولم تخل الأمور من محاولات تحريضية للوقيعة مع الأشقاء فى الخليج، لكن الثبات المصرى كان أقوى وأكبر، أولًا لأنها تدرك من وراء هذه الحملات المشبوهة، وثانيًا لأن القيادات يعرفون كيف يتم التعاون والدعم المطلوب.
وعندما انطلقت الطائرة الرئاسية أمس الأول، الخميس، تقل الرئيس السيسى فى زيارته إلى الأمارات وعُمان، فالجولة كان لها معنى واضح لا تخطئه عين، وقد أصاب البيان الرئاسى عندما وصفها بزيارة أخوية، لأن مثل هذه الزيارات لاتجرى فعلًا إلا بين الإخوة الذين يؤمنون بأن المصير واحد والتحدى واحد، وأن ما يمس أحد الأشقاء يمس الآخرين، فالرئيس عندما ذهب إلى الإمارات بعد تعرضها لاعتداءات إيرانية ذهب كأخ يعلن المساندة والدعم والتضامن مع أخوته بلا حدود، وهكذا كانت زيارته إلى سلطنة عُمان تحمل نفس الرسالة والمعنى، وهو نفس ما حدث فى الزيارات التى جرت قبل أسابيع للدول الخليجية أيضًا.
هنا نحن أمام عدد من الحقائق المصرية التى يجب التأكيد عليها والتذكير بها:
- أولاها: أن الوقوف المصرى بجانب الأشقاء كمبدأ ليس محلًا للجدال والشك ولا هو قابل للتفاوض، لأنه أحد أهم الثوابت التى لا تتغير فى السياسة المصرية.
- الثانية: أن هذا المبدأ على ثباته ربما يختلف شكلًا بين حالة وأخرى، ومن دولة لأخرى حسب نوع التحدى وما يفرضه من دعم، وما يتطلبه من تحرك أحيانًا الدعم يكون سياسيًا لأنه الأفضل وأحيانًا اقتصاديًا لأنه مطلوب، وربما عسكريًا وأمنيًا ضرورة تفرضها مقتضيات الأمن القومى.
- الثالثة: ترجمة لهذا نجد أنه في قضية «غزة» كان الوقوف المصرى بجانب الأشقاء من خلال الموقف القوى والرفض الحاسم للتهجير وعدم القبول بأى محاولات الإجبار الفلسطينيين على مغادرة أرضهم. وأعلنت مصر ثوابتها بأن التهجير مرفوض وتصفية القضية الفلسطينية «خط أحمر»، هذا الموقف ليس هينا بل كان أقرب إلى خوض الحرب، لأن مصر عندما أعلنت هذا الموقف كانت مستعدة لتحمل كافة التبعات التي يمكن أن تترتب عليه اقتصاديا وسياسيا وعسكريا أيضا وبعيدا عن مزايدات البعض لكن هذا الموقف هو الذي كان فعلا كلمة السر في تغيير المعادلة وإجبار إسرائيل على التراجع عن مخططها لـ«التهجير القسري» لأنها وجدت أمامها حائط سد يسعب تجاوزه بل ومستعد للمواجهة فى سبيل الحق الفلسطينى.
ولم تقف مصر عند هذا، بل كان دعمها من خلال التحرك المكثف والقوى من أجل الوصول إلى اتفاق شرم الشيخ للسلام، الذى أوقف الحرب، وكذلك استمرار المساعدات التى اقتربت من المليون طن أغذية ومواد إغاثية وطبية، وتُصر مصر حاليًا على ألا تكون الحرب الأمريكية على إيران سببًا فى تراجع الاهتمام بـاالقضية الفلسطينية.
- الرابعة: فى السودان كان الموقف المصرى الداعم فى لحظة مصيرية تمثل تهديدًا لمصير السودان، فجاء الإعلان من القاهرة وبلسان قائدها بأن تقسيم السودان اخط أحمرب غير مسموح تجاوزه وكذلك وجود أو إنشاء كيانات موازية للمؤسسات الوطنية.
وفى ليبيا كان نفس المبدأ وتحديد «سرت الجفرة خط أحمر».
- الخامسة: فى دول الخليج الموقف مختلف فدول الخليج تتطلب شكلًا مختلفًا من الدعم السياسى والدبلوماسى وإعلان التضامن الكامل مع ترتيبات خاصة وهو ما تحركت به مصر وفق تنسيق كامل مع الأشقاء، وكانت زيارة الرئيس السيسى إلى الإمارات كاشفة عن شكل هذا الدعم وكيف تساند الدولة المصرية الأشقاء، وبما يحمى الأمن القومى العربى الذى يعتبره الرئيس جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى.
- السادسة :أنه مع هذا الدعم المباشر للأشقاء لا تكف مصر عن التحرك فى كل الاتجاهات وعلى كافة المسارات من أجل وقف الحرب والعودة إلى المسار التفاوضى لتجنب التصعيد العسكرى الذى لن يتحمل أحد تبعاته، لأن مصر فى النهاية دولة سلام تسعى دائمًا للسلام والحوار والاستقرار وليس الصراعات والحروب.
- السابعة: أن التدخل والدعم للأشقاء فى أى حالة لا يحدث بانفعالية أو رد فعل أو عشوائية بل يتم فى إطار محدد، فالدولة المصرية لا تغامر وإنما تتحرك بخطوات محسوبة ومدروسة، هدفها الحفاظ على الأمن القومى لمصر والأشقاء أيضًا، وكل إجراء أو تحرك محسوب جيدًا فى هدفه وتأثيره وتداعياته.
- تبقى الحقيقة الثامنة والأخيرة: هى، أن الجميع يثق تمامًا فى حكمة القيادة السياسية القارئة جيدًا للمشهد الإقليمى والدولى والمدركة لكل المتغيرات وتعرف معنى «الأمن القومى» ومقتضياته، ومتى وكيف تتخذ القرار ومتى يتم التحرك، بما يلبى نداء الأشقاء ويحمى مقدرات شعوبها ولا يؤثر على ثوابت مصر وأمنها واستقرارها.









