تعود الإرهاصات الأولى للحركة العمالية المنظمة إلى النصف الثانى من القرن الـ19، وقد جاءت بعد إضرابات شيكاغو 1886، للمطالبة بتخفيض ساعات العمل وتحسين الأجور، وقد حدد الاتحاد الدولى والنقابات العمالية يوم 1 مايو 1889 يوماً لدعم العمال، وتحديد ساعات العمل بـ 8 ساعات يومياً. أما فى مصر فقد بدأ الاحتفال بعيد العمال فى عام 1924. والذى تحول فى الستينيات كأداة ومنصة وغاية سياسية للدق على أوتار المجتمع المصرى. عبر مخاطبتهم بـ«أمل الأمة» و«العمود الفقرى لمسيرة الإنتاج» أثناء الحرب حتى إن بقية قوى الشعب العاملة كانت تنتابها مشاعر غيرة من مكانة العمال فى عيد العمال. أما فترة السبعينيات فقد سارت على النهج نفسه، لقاء بالعمال فى عيدهم، وعروض فنية تدور فى فلك العامل رمز الإنتاج الصناعى، والفلاح رمز الإنتاج الزراعى. وفى فترة الثمانيات حافظت على الصورة النمطية، وذلك على رغم التغيرات الكبرى التى كانت تشهدها منظومة العمل فى مصر. أما اليوم، فقد أصبح عيد العمال مخصصاً للفئات الأكثر احتياجاً من العمال، وهم العمال غير المنتظمين، الذين يعملون باليومية، ولا يتمتعون بأية أنظمة تأمين أو تكافل، أو عقود أو ميزات. وهو تأكيد ورمزية من القيادة السياسية بأن السيادة لا تقاس فقط بالترسانات، بل بمدى شعور العامل بأن الدولة تقف خلفه كدرع قانونية ورقمية صلبة تحميه من تقلبات السياسة أو عواصف الاقتصاد. وبالتالى يجسد الأول من مايو من كل عام لحظة رمزية تختزل تاريخاً طويلاً من النضال من أجل الكرامة. واليوم يشهد العالم انقساماً حقوقياً حاداً يحدد ملامح السيادة المستقبلية، فبينما تعانى القوى التقليدية فى الغرب من تراجع فى جودة الحياة المهنية وضغوط تضخمية حادة، نجد أن الشرق الصاعد يعيد تعريف القوة العمالية كقلب للمعركة الجيوسياسية وسلاسل الإمداد، ليعيد صياغة علاقة الإنسان بالعمل، وترسيخ مفهوم الحقوق داخل بيئة الإنتاج. وبالتالى يواجه العالم الآن تحدياً ثقافياً وبنيوياً وهو تقديس الشهادات النظرية على حساب الحرفة. فلطالما أكدنا أن بناء الإنسان يتطلب ثورة فى التعليم المهني، فالحرفيون هم من يشكلون العمود الفقرى للاقتصاد وقت الأزمات والحروب. وبالتالى فإن الأمر يتطلب ضرورة النظر بعين الاعتبار إلى أن تحويل الحرفة إلى وظيفة سيادية محمية هو الرهان الحقيقى لاستقرار المجتمعات ومنع تآكل هويتها الإنتاجية أمام زحف التكنولوجيا، ولكن يبقى أن العائق الأكبر الذى يقف حائلاً دون استعادة العامل لمكانته السيادية هو البيروقراطية الموروثة التى تجعل تفعيل القوانين عملية شاقة. وربما تكون نشأتى فى دمياط التى أمنت أن الحرفة هى نواة تحقيق الاستقرار الاجتماعى، والتى أعطت النموذج الحقيقى بأن تحويل الحرفة إلى وظيفة سيادية محمية هو الرهان الحقيقى لاستقرار المجتمع ومنع تآكل هويته الإنتاجية أمام الزحف التكنولوجي، ولكن للأسف تمت استباحة تآكل هوية دمياط الإنتاجية نتيجة لعدم تضافر الجهود لتعزيز القيم المحلية، ودعم الإنتاج المحلى، وتدريب الكوادر البشرية، لضمان استمرار الهوية الثقافية والاقتصادية للمجتمع وقدرته على الصمود أمام التحديات. ومع خوضى لهذه التجربة طوال أكثر من عشرين عاماً يمكن إبراز أهم الآليات للحفاظ على الهوية الإنتاجية للمجتمع.
أولا: دعم وتعزيز الإنتاج المحلي، وتشجيع الصناعات التقليدية والمحلية.
ثانياً: الحفاظ على الموارد والتقاليد الإنتاجية الزراعية التى أثبتت قدرتها على التكيف مع المناخ المحلي، مع تبنى فلسفة الإنتاج المستدام، مثل استخدام المواد القابلة للتدوير.
ثالثاً: تعزيز الثقافة الإنتاجية لدى الأفراد وفى نفس الوقت ترشيد الاستهلاك.
رابعاً: ابتكار أنظمة ضمان اجتماعى مرنة ترتبط بالرقم الوطنى للعامل وتتحرك معه، مما يعزز مرونة سوق العمل ويغلق الثغرات التى يتسلل منها الفساد والجريمة.
خامساً: تفعيل دبلوماسية التوطين المعرفى لضمان انتقال التكنولوجيا للأيدى المحلية وتحويل العامل البسيط إلى خبير تقنى يمتلك مفاتيح القوة.
سادساً: ربط الإنتاجية بميزات تفضيلية تجعل من الإنتاج معياراً للمواطنة والولاء. وهنا يمكن القول بأن السيادة فى القرن الحادى والعشرين عبرت عنها القيادة السياسية بالوقوف خلف العامل كدرع قانونية ورقمية صلبة تحميه من تقلبات السياسة أو عواصف الاقتصاد أو إغراءات الانحراف الاجتماعي.









