دخلت المنطقة من جديد فى دائرة «تلفزيون الواقع» التى يتقن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إدارتها باقتدار، حيث يتداخل فيها الاستعراض السياسى بالمناورات العسكرية فى مشهد يحبس أنفاس العالم. فبين ليلة وضحاها، تحول الخطاب من «قرع طبول الحرب» والوعيد لطهران بأنها لم تدفع الثمن الكافي، إلى نغمة إنسانية مبشرة تحت مسمى «مشروع الحرية».
هذا المشروع، الذى قدمه ترامب كبادرة إنسانية كبرى لتحرير السفن وأطقمها العالقة فى الخليج، يثير تساؤلات جوهرية فى الدوائر السياسية: هل نحن أمام رغبة حقيقية فى خفض التصعيد، أم أننا بصدد مسار سريع لاستئناف الأعمال القتالية بـ«غطاء أخلاقي»؟
من يراقب تقلبات البيت الأبيض يدرك أن ترامب يعيش صراعاً بين صورتين. صورة «صانع السلام» الذى يطمح لجائزة نوبل ويحرص على استقرار الأسواق العالمية التى تراجعت فيها أسعار النفط فور إعلانه عن محادثات إيجابية، وصورة «القائد الأعلي» الذى يرى نفسه فى مصاف العظماء التاريخيين مثل الإسكندر ونابليون، ويرفض أن يظهر بمظهر المتراجع أمام «تعنت» الحرس الثورى الإيراني.
المشكلة تكمن فى أن «مشروع الحرية» الذى هو فى جوهره إعادة تسمية لعمليات تنسيق بحرية سابقة يضع طهران فى زاوية ضيقة. فالنظام الإيراني، الذى يعانى من تضخم تجاوز 100 % وفقدان مليون وظيفة، لا يرى فى هذا المشروع «بادرة إنسانية»، بل يراه محاولة لانتزاع السيادة على مضيق هرمز تحت لافتة دولية.
التصعيد الميدانى الأخير واستهداف سفن تجارية بـ «مقذوفات مجهولة» فور الإعلان عن المشروع، يؤكد أن الحرس الثورى يراهن على أن ترامب هو من «سيرمش أولاً» خوفاً على أسواق المال وانتخابات التجديد النصفى للكونجرس. لكن هذا الرهان قد يكون مقامرة كبري، فترامب اليوم ليس هو ترامب الأمس، وهناك فى واشنطن من يدفع نحو «الفتح القسري» للمضيق بقوة السلاح.
فى هذا المشهد المعقد، تظل الرؤية المصرية ثابتة فى دعم الاستقرار الإقليمى وتأمين الملاحة الدولية، لتكون دائماً صوتاً للعقل يحذر من الانزلاق إلى مواجهة شاملة لن يخرج منها أحد منتصراً.
إن «مشروع الحرية» قد يكون بالفعل فرصة أخيرة للدبلوماسية إذا ما أحسنت الأطراف استغلالها للعودة إلى طاولة المفاوضات، لكنه فى الوقت ذاته قد يتحول إلى «الذريعة المثالية» لبدء حرب شاملة إذا ما استمرت الاستفزازات فى مياه الخليج. الكرة الآن فى ملعب طهران: فهل تقبل بـ «الخروج الآمن» الذى يعرضه ترامب، أم تختار الصدام مع رئيس بات يرى فى القوة العسكرية وسيلته الوحيدة للوصول للهدف.
العالم يراقب «عرض ترامب» الأخير، لكن هذه المرة، النتائج لن تظهر على الشاشات فحسب، بل قد ترسم بلهيب النيران فى أهم ممر مائى فى العالم.









