يحكى أن فريقا من خبراء إحدى المنظمات التنموية زار قرية صغيرة للصيادين على ساحل إحدى دول غرب أفريقيا. وخلال جولتهم، التقوا بصياد ينام فى وقت الظهيرة مستظلا بشجرة. أيقظوه وسألوه: لماذا تنام الآن؟
فأجابهم: وماذا تريدوننى أن أفعل؟
قالوا: قم لتصطاد.
فرد: لقد فعلت ذلك بالفعل منذ الفجر اصطدت ثلاث سمكات كبيرة، بعت واحدة، وأعطيت زوجتى واحدة لتعد الغداء، واحتفظت بالثالثة للعشاء.
قالوا: ولكن لو اصطدت أكثر، يمكنك أن تكسب مالا أكثر.
قال: وماذا أفعل بهذا المال؟
أجابوه: تشترى مركبا أكبر، فتصل إلى أعالى البحر، وتصطاد أكثر وتكسب أكثر.
سألهم: ثم ماذا؟
قالوا: تشترى مراكب أخري، وتصبح تاجرا كبيرا، وتأسس شركات وتصدر السمك.
قال: وهل سأفعل كل ذلك بنفسي؟
قالوا: لا، سيكون لديك فريق من العمال والخبراء، بينما أنت تستلقى وتستريح وتستمتع بالحياة.
فقال لهم: وهذا بالضبط ما أفعله الآن… اتركونى أستكمل نومي.
تعكس هذه القصة ببساطة فلسفة الاكتفاء والرضا بتحقيق الهدف، وهى فلسفة قد تبدو بعيدة عن منطق التوسع والنمو الذى يهيمن على الفكر التنموى الحديث. وكلما استحضرت هذه الرواية، وجدت نفسى أفكر فى حال الجمعيات الأهلية، التى قضيت نصف عمرى أعمل من خلالها.
العاملون فى هذه الجمعيات يحملون رغبة صادقة فى العطاء وإسعاد الآخرين، رغم محدودية إمكاناتهم مقارنة بطموحاتهم الكبيرة. ومع ذلك، فإنهم ينجحون فى توظيف هذه الإمكانات المحدودة لخدمة أكبر عدد ممكن من المستفيدين، من خلال أساليب عملية مرنة، تعتمد على الإخلاص وحب الخير وقلة التكلفة، والتركيزعلى تحقيق نتائج ملموسة والرغبة فى النجاح.
تشير البيانات إلى وجود أكثر من 38 ألف جمعية أهلية مسجلة بوزارة التضامن الاجتماعى فى مصر، تعمل فى مجالات متعددة، مثل الرعاية الاجتماعية، والطفولة والأمومة، وتنظيم الأسرة، والتعليم، والصحة.
ولأن الشاطرة تغزل برجل حمار نجد هذه الجمعيات تقدم بالفعل جهدا واقعيا ونجاحا ملموسا لتحقيق أهدافها ، ربما قد لا تتوافق أساليب عمل هذه الجمعيات أحيانًا مع النماذج الأكاديمية فى الإدارة، أو مع الإجراءات المالية والرقابية المتبعة فى المؤسسات الحكومية، والتى تتطلب هياكل إدارية معقدة ووقتا أطول للتنفيذ. إلا أن العاملين فى الجمعيات الأهلية يمتلكون خبرة عملية وفهما عميقا لخصائص المجتمع الذين يعملون من أجله تمكنهم من إنجاز المهام بكفاءة، وتحقيق أهدافهم بمرونة عالية. كما أنهم أكثر حرصا على الموارد، لكونها محدودة وتعتمد فى كثير من الأحيان على جهودهم الذاتية.
من المتفق عليه ان الجمعيات الأهلية ليس لديها المقدرةعلى حل مشكلات وطن بأكمله؛ فمواردها بطبيعتها محدودة وغير مستقرة، ونطاق عملها غالبا ما يكون محليا أو جزئيا. فهى قد تنجح فى معالجة مشكلة فرد، أو دعم مجموعة، أو تحسين أوضاع مجتمع صغير، وربما لفترة زمنية محددة.
لكن القيمة الأهم التى تقدمها هذه الجمعيات تكمن فى أنها تستطيع أن تقدم نماذج ناجحة وحلولاً تنموية واقعية وفعالة. يمكن للدولة أن تتبناها، وتعمل على تطويرها وتوسيع نطاق تطبيقها، بما يحقق أثرا أعمق وأشمل للتعامل مع المشاكل المزمنة.
وفى هذا السياق، قد يكون من المفيد التفكير فى تنظيم منتدى قومى سنوى تعرض فيه تجارب منظمات المجتمع المدنى الناجحة، باعتبارها شريكا أساسيا فى التنمية، مع فتح باب الحوار حول سبل تعميم هذه النماذج، وفهم استراتيجياتها، وآليات تواصلها مع المجتمعات التى تنتمى إليها وتدرك خصوصيتها.
وفى نفس الوقت يتطلب الأمر فهم التحديات التى تواجه هذه الجمعيات، والعمل على دعمها، خاصة فيما يتعلق بتوفير مصادر تمويل مستدامة، وتعزيز التنسيق مع الجهات المانحة، سواء المحلية أو الدولية، بما يضمن توجيه الموارد نحو أولويات التنمية الحقيقية، ويعكس احتياجات المجتمع وتطلعاته، وليس فقط أجندات الجهات المانحة.









