يشهد ملف الوجود العسكرى الأمريكى فى أوروبا تصعيداً دبلوماسياً حاداً، حيث تحوَّل الجدل من «إعادة تموضع» إلى «أزمة ثقة» عميقة بين واشنطن وحلفائها فى الناتو. فقد أصدر وزير الدفاع الأمريكى بيت هيحسيث أمراً رسمياً بسحب نحو 5000 جندى أمريكى من ألمانيا «حوالى 15 ٪ من إجمالى القوات هناك» خلال فترة 6 إلى 12 شهراً.
وبينما برر البنتاجون الخطوة بأنها «مراجعة شاملة للتموضع العسكري»، صرح الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بأن التقليص سيذهب لأبعد من ذلك بكثير. وأعلنت الإدارة الأمريكية فى إيجاز صحفى عن بدء المرحلة التنفيذية لنقل نحو 15 ألف جندى من القواعد الدائمة فى ألمانيا وإيطاليا، حيث ستتم نقل جزء من هذه القوات إلى الولايات المتحدة، بينما سيتم إعادة نشر «وحدات قتالية خفيفة» فى بولندا ودول البلطيق بنظام المداورة بدلاً من التمركز الدائم.
تصر واشنطن على أن هذا الإجراء يهدف إلى زيادة «المرونة الإستراتيجية» لمواجهة التهديدات فى المحيط الهادئ، وليس تخلّياً عن القارة العجوز، وتطالب الولايات المتحدة الدول الأوروبية «خاصة ألمانيا» برفع إنفاقها الدفاعى فوراً إلى 3 ٪ من الناتج المحلى الإجمالى لتعويض العجز الناتج عن سحب القوات.
يدور نقاش قانونى معقد فى واشنطن حول مصير البنية التحتية والمعدات الثقيلة فى قاعدة رامشتاين الجوية، حيث ترفض واشنطن ترك أجهزة تقنية متطورة تحت إدارة أوروبية صرفة، فى حين أعرب قادة فى الكونجرس الأمريكى عن قلقهم من أن الانسحاب قد يرسل «إشارة خاطئة» لروسيا.
يأتى القرار وسط توتر حاد بين ترامب والمستشار الألمانى فريدريش ميرتس بعد انتقاد الأخير للإستراتيجية الأمريكية فى الشرق الأوسط. كما تضمنت التطورات إلغاء خطة كانت مقررة منذ عهد الرئيس الأمريكى السابق جو بايدن لنشر صواريخ «توماهوك» بعيدة المدى فى ألمانيا، مما أثار مخاوف من حدوث فجوة فى قوة الردع الأوروبية.
تسبب هذا التحرك فى انقسام حاد داخل القارة، بالنسبة للمحور الألماني-الفرنسي، عبرت برلين وباريس عن معارضة شديدة، حيث وصفت برلين عبر وزير دفاعها بوريس بيستوريوس، الخطة بـ«المتوقعة» مشدداً على أن هذه اللحظة تفرض على الدول الأوروبية تحمل مسئولية أكبر عن أمنها القومي، فى حين وصف مسئولون فرنسيون الخطوة بأنها «طعنة فى ظهر الأمن الجماعى الأوروبي» وتراجع عن التزامات قمة الناتو الأخيرة، أما الجناح الشرقى ممثلا فى بولندا والمجر، فقد رحبت وارسو بالخطوة، حيث ترى فيها تعزيزاً مباشراً لأمن حدودها الشرقية، مما خلق فجوة سياسية بين «أوروبا القديمة» و«أوروبا الشرقية».
فى المقابل، تراقب موسكو هذه التحركات بحذر، حيث صدرت تصريحات من الكرملين تعتبر أن «إعادة التوزيع» لا تغير من الطبيعة «العدائية» للناتو، بل تزيد من حالة عدم الاستقرار فى شرق أوروبا.









