عرفته منذ أكثر من 45 عامًا.. وأردت أن اقترب منه كصحفى وكاتب.. لأنه فى توقيت صعوده كان يمثل لأبناء جيلنا مرحلة فارقة.. بين عبدالحليم حافظ وقنديل وكارم وعبدالعزيز محمود ومحرم والتلبانى والعطار ورشدى.. وذهبت إلى بيته فى وسط البلد وشاهدته يتصرف بكل بساطة.. ولما زادت شهرته وخلت له الساحة ازداد فى تواضعه.. ولم يعتمد على تقليعة أو بدعة.. فى مظهره أو أسلوب ظهوره.. وأتحدى أن تجد فى أرشيفه الصحفى خبرًا يخصه شخصيًا.. باستثناء معايشة مصيبته الكبرى.. بوفاة ابنته الشابة دينا.. وبقوة ايمانه نجح أن يتجاوزها لكن القلب الموجوع ظل يعانى بعيدًا عن الأعين.. ورغم ظهور العديد من الأسماء الشابة فى الحياة الغنائية.. لكنها لم تستطع أبدًا أن تناطحه أو تجاريه فى نجاحه والتصاق الجمهور به بأجيال مختلفة.. وكلمة السر فى كل هذا الالتزام.. وكثيرًا ما ردد أمامى أنا وغيرى.. لأن الفن أساسه الأخلاق التى يتمتع بها الفنان والكل يعرف أنه عاش بلا سيجارة أو كأس.. أو شلة.. بدون ادعاء أو دروشة.. عينه دائمًا وأبدًا على بلده وجمهوره.. وعائلته.
برئ يا بيه
وعندما أراد الصحفى الكبير نبيل عصمت أن يداعب القارئ فى أول أبريل كتب خبرا فى «جريدة الأخبار» ان هانى سوف يخضع لاختبار يثبت انه لا يستخدم مزماراً معينا فى حنجرته حتى يقترب بصوته من صوت عبدالحليم.. وذهبت الناس أفواجا إلى معهد الموسيقى العربية فى شارع رمسيس واكتشفوا انها «كدبة أبريل».. وهانى مثل غيره فوجئ بالخبر.. ولم يحدث ان طلب من أهل الصحافة ومنهم أصدقاء خبراً ينفى أو يؤكد به واقعة لأن حياته ما هى ذلك الكتاب المفتوح.
وفى المقابل رأيته كيف يحمى من يعمل معه.. فقد كلف أحد المؤلفين الشبان بكتابة أغنية عن الأم.. وبعد مناقشات طويلة نظرا للدور الكبير الذى لعبته المرحومة والدته فى حياته الفنية والخاصة.. فقد تولت تربيته بعد وفاة والده.. مع أخوته وعندما ذهب بالأغنية إلى الإذاعة طلب من المسئول ان يتخلى عن النص الذى كتبه الشاب مقابل أن ينفذ أغنية أخرى لشاعر صحفى يتواجد فى مبنى الاذاعة والتليفزيون بحكم تغطيته لأخبار المبني.. ورفض بإصرار أن يبيع المؤلف المجهول أو يؤجل العمل وكان الحل أن ينفذ الأغنيتين.. وتم تكليف خالد الأمير بواحدة والأخرى كانت من نصيب حلمى بكر.. بعد أن أشاد الشاعر الكبير فاروق شوشة بما كتبه الشاب.
وعندما كتب أحد الصحفيين ساخرا من دعائه للجمهور فى بداية حفلاته «ربنا يخليكم وما يحرمنيش منكم» كان يفعلها بتلقائية وحب حقيقى واحترام لجمهوره.. لكن الصحفى وصفه بأنه لا ينقصه إلا أن يكمل منظومة الدعاء: ربنا ما يرمى حد فى ضيقة.. ويسترها معاكم دنيا وآخرة.. وما هى إلا مداعبة لأن الصحفى يحبه فعلا.. ولما تقابلا فى مكان عام وكانت معه أسرته ضحك هانى وعانق الصحفى المشاغب وهو يقدمه لزوجته وأولاده.. واعتبرها نكتة.. وقد كانت كذلك.
سينما ومسرح
ومثله مثل غيره من غالبية نجوم الغناء سرعان ما اتجهت إليهم السينما والمسرح.. رغم انه دخل ميدان التمثيل مبكرا عندما أدى دور سيد درويش صغيرا فى الفيلم الذى حمل اسم الموسيقار الكبير ولعب بطولته كرم مطاوع وتعامل مع الكاميرا فى برامج الأطفال وخاض تجاربه السينمائية «عندما يغنى الحب»، «عايشين للحب»، «هذا أحبه وهذا أريده»، ومسرحية «سندريلا والمداح» مع نيللي.. ولكنه رأى ان تفرغه للغناء فقط أفضل ولم يسبح عكس التيار مغامرا لمجرد التواجد والانتشار وهو الذى حقق له الشهرة أسرع من كافة أبناء جيله ويكفى ان أول الألحان كانت تحمل اسم الكبير «محمد الموجي» الأمر الذى صور للبعض انه قدمه ليحارب صديقه عبدالحليم فى فترة خصام أصابت هذه الصحبة الانسانية والفنية الرائعة.. وكان حليم من الذكاء بحيث أعلن للناس أنه يرحب بهذا الصوت الجديد وحضر له أكثر من حفل وشاركه الغناء فى لمحة تحمل الكثير.
وقد تلقى هانى عروضًا عديدة لكى يلعب بطولات سينمائية لكنه أراد أن يكون الأول فى سباق يضمن الدمج فيه على أن يكون الثانى أو الثالث فى ميدان له ناسه.. ولو كان يمضى على نهج حليم ما ترك السينما والتمثيل.
مثلما كان واضحا فى خط الفن استمر بهذا الوضوح عندما اختارته جموع الموسيقيين نقيبا لهم.. وحمل لواء محاربة القبح الغنائي.. وتوقف عند تقاليع المهرجانات لأنها لا تنتمى إلى الفن الشعبي.. بدليل ان من يظهر فجأة.. يختفي.. ليحل آخر محله.. بدون أن يترك أثراً يذكر بعيداً عن الأسماء الغريبة التى اختاروها لأنفسهم.. من أجل لفت الأنظار.. وكانت غالبية ما يقدمونه ضد الذوق العام وبسبب ذلك تعرض لحملة غشيمة.. عندما رفض ان تظهر احداهن فى فيديو كليب شبه عارية وكتب أحد النقاد من أرباب «حرية الإبداع» بلا سقف أو رادع.. يتهمه بأنه ينتمى إلى هيئة النهى عن المنكر والأمر بالمعروف وتقدم باستقالته حفاظا على تاريخه النقي.. ويكفى انه لم يتنازل عن وقاره واحترامه لجمهوره بأن يظهر بالشورت فى حفلاته العامة.. باسم التطور ومواكبة الجو.. وكان يفعلها بتمام ا لاقتناع فلم يضبط مرة واحدة.. بسيجارة أو كأس أو بما ينتقص من قدره.. وصولا إلى عفريت العصر الحالى «التريند» ولم تتحول أغنياته إلى إعلانات مدفوعة من الشركات.. حتى لا يتحول إلى مندوب مبيعات.
هانى ابن جامعة حلوان وتحديدا بكلية التربية الموسيقية.. تزاملنا فى هذه الجامعة التى تخرج فيها نجوم الرياضة «كلية التربية الرياضية» فاروق جعفر ومصطفى عبده ومحمود سعد.. ونجوم الفن على الحجار «فنون جميلة» ومحمد منير «فنون تطبيقية» وعبدالرحيم حسن «تجارة خارجية» بخلاف أحمد الحجار والموسيقار خالد فؤاد.. وعشرات الأسماء اللامعة فى كافة الميادين.. ومن النشاط الصيفى والمعسكرات ظهر العشرات.. ولأن الطيور على أشكالها تقع جمعته الصحبة مع ابن جيله المهندس محمد ثروت.. وفى دويتو جميل كتبه الأبنودى «بلدي».. أصبح الغناء للوطن أنشودة حب جميلة مازالت تعيش إلى وقتنا هذا.. لأن الفن الأصيل مثل الذهب يعيش ويعيش.
وهذا هو الفارق بين شهرة.. قد تأتى من فضيحة أو حادثة.. ونجاح يتحقق عبر السنين.. ويظل متوهجا بينما غيره يظهرت ويختفي.. ورفض باسم مسايرة الجو الجديد أن يتخلى عن شياكة المغنى أمام جمهوره فلا يصح أن يظهر بالشورت كأنه على شاطئ البحر.. وهو ما يعنى الاستخفاف بالفن الذى يقدمه والجمهور الذى ينتظره.. فلا تاتو على ذراعه ولا حلق فى أذنه ولا غريب فى مظهره لأن العبرة بما يقدمه من فن.
وقد عاصر صديقى الشاعر الكبير الصحفى مجدى نجيب بدايات هانى وكتب عنه يقول: فى منتصف 1972 كانت انطلاقة هانى ولعبت القديرة الانسانة شادية دوراً بارزاً فى حمايته وهو أشبه بسمكة صغيرة فى بحر ملئ بأسماك القرش المتوحشة حيث لا حول له ولا قوة وقد ساندته نجاة ووردة وسعاد محمد ونجاح سلام وفايزة أحمد ومحمد سلطان.. حتى أصبح حقيقة واقعة ثابتة.. وقد كتب له مجدى «سيبونى أحب» وبعدها «يا ريتك معايا يا حبيبي» وعندما قال له ذات مرة:. هل تعرف يا هانى انك تقف على فوهة بركان؟!
اجابه فى دهشة:
لا أنا فقط أعرف كيف أقف على خشبة المسرح للغناء وكيف لا وقد جمع بين الدراسة والموهبة والأهم من ذلك الثبات فى المبدأ.. والايمان بأن احترام الناس.. يعنى لا غناء بالشوت ولا سيجارة أو كأس.. والناس لا تعرف ان هانى بعد رحيل عبدالحليم بكى عليه بشدة وقال لمن حوله:
– لقد فقدت من كان أمامى نموذجا استلهم منه الكثير واتعلم كيف ان المنافسة الشريفة تدفع للنجاح.. وغير صحيح ان عدوك ابن كارك إلا إذا كان الفنان بلا شخصية ويقلده غيره.. وأبداً ما كان هانى عبدالعزيز شاكر من هؤلاء.. الفاتحة لروحه ولكل من رحلوا من الأكابر.. وعاشوا معنا إلى وقتنا هذا وهم فى رحاب الله.. بينما غيرهم يعيش بيننا وهو أشبه بالموتي! وحقا كما قلت يا هانى فى واحدة من أغنياتك «نسيانك صعب أكيد»!!









